الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم [لهم] ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإن ضرر هؤلاءِ المخالطين لهم المعاشرين لهم- وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْوهُمْ} * [المنافقون: 4] ، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين. ونظير ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( ليس المسكين الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذى لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه ) )، فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطواف، بل إخبار بأن هذا القانع الذى لا يسمونه مسكينًا أحق بهذا الاسم من الطواف الذى يسمونه مسكينًا.
ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس الشديد بالصُّرعة، ولكن الذى يملك نفسه عند الغضب ) )، ليس نفيًا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأن من يملك نفسه عند الغضب أحق منه بهذا الاسم.
ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: (( ما تعدون المفلس فيكم ) )؟ قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال: (( المفلس من يأتى يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وياتى قد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه فأُلقى في النار ) )، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: (( ما تعدون الرقوب فيكم ) )؟ قالوا: من لا يولد له؟ قال: (( الرقوب من لم يقدم من ولده شيئًا ) )، ومنه عندى قوله صلى الله عليه وسلم: (( الربا في النسيئة ) ).
وفى لفظ: (( إنما الربا في النسيئة ) )هو إثبات لأن هذا النوع هو أحق باسم الربا من ربا الفضل، وليس فيه اسم الربا عن ربا الفضل. فتأمله.
والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياءِ، ولهذا يستهزأُ بهم في الآخرة، وتعطى نورًا يتوسطون به على الصراط ثم يطفيء الله نورهم ويقال لهم: {ارْجَعُوا وَرَاءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُورًا} * [الحديد: 13] ، ويضرب بينهم وبين المؤمنين: {بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قَبْلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُم وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِى حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغرَّكُمْ بِاللهِ الغرُورِ} * [الحديد: 13] ، وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاءِ أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح، حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداءِ اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه.
وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداءُ، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى