القرآن مصدقا له ومهيمنا عليه. . ثم من بعد ذلك يتولون ويعرضون. سواء كان التولي بعدم التزام الحكم ; أو بعدم الرضى به. .
ولا يكتفي السياق بالاستنكار. ولكنه يقرر الحكم الإسلامي في مثل هذا الموقف:
(وما أولئك بالمؤمنين) . .
فما يمكن أن يجتمع الإيمان , وعدم تحكيم شريعة الله , أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة. والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم"مؤمنون"ثم هم لا يحكمون شريعة الله في حياتهم , أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم. . إنما يزعمون دعوى كاذبة ; وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع: (وما أولئك بالمؤمنين) . فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة الله من الحكام فحسب ; بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم الله من المحكومين , يخرجهم من دائرة الإيمان , مهما ادعوه باللسان.
وهذا النص هنا يطابق النص الآخر , في سورة النساء: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا) . . فكلاهما يتعلق بالمحكومين لا بالحكام. وكلاهما يخرج من الإيمان , وينفي صفة الإيمان عمن لا يرضى بحكم الله ورسوله , ومن يتولى عنه ويرفض قبوله.
ومرد الأمر كما قلنا في مطلع الحديث عن هذا الدرس. . أن القضية هي قضية الإقرار بألوهية الله - وحده - وربوبيته وقوامته على البشر. أو رفض هذا الإقرار. وأن قبول شريعة الله والرضى بحكمها هو مظهر الإقرار بألوهيته وربوبيته وقوامته ; ورفضها والتولي عنها هو مظهر رفض هذا الإقرار.
قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (50) سورة المائدة
وفي تفسير ابن كثير رحمه الله:
50 -أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون
لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الإتباع وذكر الانجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع مافيه كما تقدم بيانه شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم فقال تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق) ي بالصدق الذي لاريب فيه أنه من عند الله (مصدقا لما بين يديه من الكتاب) ي من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه وأنه سينزل من عند الله على عبد ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقا عند حامليها من ذزي البصائر الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله وصدقوا رسل الله كما قال تعالى (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) ي إن كان ماوعدنا الله على ألسنة رسله