الذين يجهرون بآرائهم , ويقفون خلف عقائدهم , ويواجهون الدنيا بأفكارهم , ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار. أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس , فلا يخشون في الحق لومة لائم , وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم.
(إن المنافقين هم الفاسقون) . .
فهم خارجون عن الإيمان , منحرفون عن الطريق , وقد وعدهم الله مصيرًا كمصير الكفار:
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها , هي حسبهم.
وفيها كفايتهم وهي كفاء إجرامهم.
ولعنهم الله. .
فهم مطرودون من رحمته. .
(ولهم عذاب مقيم) . .
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة / 31]
قال الجصاص:
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ} الْآيَةَ. قوله تعالى: {كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ نَتَسَاوَى جَمِيعًا فِيهَا ; إذْ كُنَّا جَمِيعًا عِبَادَ اللَّهِ , ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} وَهَذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَشْهَدُ الْعُقُولُ بِصِحَّتِهَا ; إذْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَبِيدَ اللَّهِ لَا يَسْتَحِقُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْعِبَادَةَ , وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ طَاعَةُ غَيْرِهِ إلَّا فِيمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي طَاعَةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ مِنْهَا مَعْرُوفًا , وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَامُرُ إلَّا بِالْمَعْرُوفِ ; لِئَلَّا يَتَرَخَّصَ أَحَدٌ فِي إلْزَامِ غَيْرِهِ طَاعَةَ نَفْسِهِ إلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ الْمُبَايِعَاتِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ} فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ تَرْكَ عِصْيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَامُرُهُنَّ بِهِ تَاكِيدًا ; لِئَلَّا يُلْزِمَ أَحَدًا طَاعَةَ غَيْرِهِ إلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وقوله تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} أَيْ لَا يَتْبَعْهُ فِي تَحْلِيلِ شَيْءٍ , وَلَا تَحْرِيمِهِ إلَّا فِيمَا حَلَّلَهُ اللَّهُ أَوْ حَرَّمَهُ , وَهُوَ نَظِيرُ قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} وَقَدْ رَوَى عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: {أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ , فَقَالَ: أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ عَنْك ثُمَّ قَرَأَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا نَعْبُدُهُمْ قَالَ: أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُحِلُّونَهُ