بالتشريع لعباده , وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم , الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة , وتعرضها لعقاب الكفر. وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد.
وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: (ومن لم يحكم بما أنزل الله) . . فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول ; ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو (من) المطلق العام.
ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة.
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم , مصدقا لما بين يديه من التوراة. وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور , ومصدقا لما بين يديه من التوراة , وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه , ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. .
فقد آتى الله عيسى بن مريم الإنجيل , ليكون منهج حياة , وشريعة حكم. . ولم يتضمن الإنجيل في ذاته تشريعا إلا تعديلات طفيفة في شريعة التوراة. وقد جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة , فاعتمد شريعتها - فيما عدا هذه التعديلات الطفيفة. . وجعل الله فيه هدى ونورا , وهدى وموعظة. . ولكن لمن ?. . (للمتقين) . فالمتقون هم الذين يجدون في كتب الله الهدى والنور والموعظة , هم الذين تتفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور ; وهم الذين تتفتح لهم هذه الكتب عما فيها من الهدى والنور. . أما القلوب الجاسية الغليظة الصلده , فلا تبلغ إليها الموعظة ; ولا تجد في الكلمات معانيها ; ولا تجد في التوجيهات روحها ; ولا تجد في العقيدة مذاقها ; ولا تنتفع من هذا الهدى ومن هذا النور بهداية ولا معرفة ولا تستجيب. . إن النور موجود , ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة , وإن الهدى موجود , ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة , وإن الموعظة موجودة , ولكن لا يلتقطها الا القلب الواعي.
وقد جعل الله في الإنجيل هدى ونورا وموعظة للمتقين , وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل. .
أي إنه خاص بهم , فليس رسالة عامة للبشر - شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل رسول , قبل هذا الدين الأخير - ولكن ما طابق من شريعته - التي هي شريعة التوراة - حكم القرآن فهو من شريعة القرآن. كما مر بنا في شريعة القصاص.
وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) .