فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 258

وكذلك فقد أمرنا الله تعالى بوجوب اجتناب الطاغوت قال تعالى:

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (36) سورة النحل

وقال ابن كثير:

وبعث في كل أمة أي في كل قرن وطائفة رسولًا, وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح, وكان أول رسول بعثه الله الى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب, وكلهم كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} , وقوله تعالى: {واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى في هذه الاَية الكريمة: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فيكف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية, لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله, وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرًا, فلا حجة لهم فيها, لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة, وهو لا يرضى لعباده الكفر, وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة.

ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل, فلهذا قال: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف {دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} , فقال: {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} .

وفي الظلال:

(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) . .

ففريق استجاب: (فمنهم من هدى الله) وفريق شرد في طريق الضلال (ومنهم من حقت عليه الضلالة) . . وهذا الفريق وذلك كلاهما لم يخرج على مشيئة الله , وكلاهما لم يقسره الله قسرا على هدى أو ضلال , إنما سلك طريقه الذي شاءت إرادة الله أن تجعل إرادته حرة في سلوكه , بعد ما زودته بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق.

كذلك ينفي القرآن الكريم بهذا النص وهم الإجبار الذي لوح به المشركون , والذي يستند إليه كثير من العصاة والمنحرفين. والعقيدة الإسلامية عقيدة ناصعة واضحة في هذه النقطة. فالله يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر , ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا عقوبات ظاهرة يتضح فيها غضبه عليهم. فلا مجال بعد هذا لأن يقال: إن إرادة الله تتدخل لترغمهم على الانحراف ثم يعاقبهم عليه الله! إنما هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت