فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 258

وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ:"أَلَسْت رَكُوسِيًّا"وَهُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى , فَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمْ بِأَخْذِهِمْ الْمِرْبَاعَ , وَهُوَ رُبُعُ الْغَنِيمَةِ ; وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ دِينِ النَّصَارَى ; لِأَنَّ فِي دِينِهِمْ أَنَّ الْغَنَائِمَ لَا تَحِلُّ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّمَسُّكِ بِمَا يَنْتَحِلُهُ الْمُنْتَحِلُونَ لِلْأَدْيَانِ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَذَلِكَ الدِّينِ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ وَبَنِي إسْرَائِيلَ سَوَاءٌ فِيمَا يَنْتَحِلُونَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخْتَلِفِي الْأَحْكَامِ ; وَلَمَّا لَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَمَّا انْتَحَلَهُ مِنْ دِينِ النَّصَارَى أَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْدَهُ وَنَسَبَهُ إلَى فِرْقَةٍ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ انْتَحَلَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْدَهُ ; وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} قِيلَ: إنَّ الْحَبْرَ الْعَالِمُ الَّذِي صِنَاعَتُهُ تَحْبِيرُ الْمَعَانِي بِحُسْنِ الْبَيَانِ عَنْهَا , يُقَالُ فِيهِ حَبْرٌ وَحَبِيرٌ ; وَالرَّاهِبُ الْخَاشِي الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ لِبَاسُ الْخَشْيَةِ , يُقَالُ رَاهِبٌ وَرُهْبَانٌ , وَقَدْ صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي مُتَنَسِّكِي النَّصَارَى. وَقَوْلُهُ: {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ , وَإِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ , وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا أَتَى النَّبِيَّ قَالَ: {فَتَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: أَلَيْسَ كَانُوا إذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ , وَإِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا أَحَلُّوهُ؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ , قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ إيَّاهُمْ. وَلَمَّا كَانَ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْعَالِمِ بِالْمَصَالِحِ ثُمَّ قَلَّدُوا هَؤُلَاءِ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ , وَقَبِلُوهُ مِنْهُمْ , وَتَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا حَرَّمَ وَحَلَّلَ , صَارُوا مُتَّخِذِينَ لَهُمْ أَرْبَابًا , إذْ نَزَّلُوهُمْ فِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ الْأَرْبَابِ. وَقِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ عَظَّمُوهُمْ كَتَعْظِيمِ الرَّبِّ لِأَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ لَهُمْ إذَا رَأَوْهُمْ , وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ التَّعْظِيمِ لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى , فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ فَهُمْ كَانُوا مُتَّخِذِينَ لَهُمْ أَرْبَابًا.

قوله تعالى: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} إلَى قَوْلِهِ: {حُرُمٌ} . لَمَّا قَالَ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وَقَالَ: {يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فَعَلَّقَ بِالشُّهُورِ كَثِيرًا مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ , وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَذِهِ الشُّهُورَ , وَإِنَّمَا تُجْرَى عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ لَا يُقَدَّمُ الْمُؤَخَّرُ مِنْهَا , وَلَا يُؤَخَّرُ الْمُقَدَّمُ , وَقَالَ: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ} وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ , وَسَمَّاهَا بِأَسْمَائِهَا عَلَى مَا رَتَّبَهَا عَلَيْهِ يَوْمَ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ , وَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ} وَحُكْمُهَا بَاقٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُزِلْهَا عَنْ تَرْتِيبِهَا تَغْيِيرُ الْمُشْرِكِينَ لِأَسْمَائِهَا وَتَقْدِيمُ الْمُؤَخَّرِ وَتَاخِيرُ الْمُقَدَّمِ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْهَا , وَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا لِنَتَّبِعَ أَمْرَ اللَّهِ فِيهَا , وَنَرْفُضَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَاخِيرِ أَسْمَاءِ الشُّهُورِ وَتَقْدِيمِهَا وَتَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي رَتَّبُوهَا عَلَيْهَا , وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت