مكر موجها إليه - سبحانه - وهذا هو التفضل العلوي الكريم. . التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق ; والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق , والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها , وهو يرى الله - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته , ومعركته هي معركته , وعدوه هو عدوه , ويأخذه في صفة , ويرفعه إلى جواره الكريم. . فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير ?!
وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم , وإيصال الأذى إليهم. تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار. وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه , وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة.
وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين , ولا خداع الخادعين , ولا أذى الشريرين. ويتدبرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين. .
ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر. ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء. . ولكن يا للسخرية! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية:
(وما يخدعون إلا أنفسهم , وما يشعرون) . .
إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم ; والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها. يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق , ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين. وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه , والنفاق الذي يظهرونه. وينتهون بها إلى شر مصير!
ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة ? ولماذا يخادعون هذا الخداع
(في قلوبهم مرض) . .
في طبيعتهم آفة. في قلوبهم علة. وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم. ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه:
(فزادهم الله مرضا) . .
فالمرض ينشىء المرض , والانحراف يبدأ يسيرا , ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد. سنة لا تتخلف. سنة الله في الأشياء والأوضاع , وفي المشاعر والسلوك. فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم. المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين:
(ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) .