95 -11 مَسْأَلَةٌ: عَمَّنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فَيَمْتَنِعُ , وَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ وَمَنْ اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} هَلْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ فِي أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ , أَمْ لَا؟ وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ فِي حَقِّ مَنْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ إذَا تَرَكُوا الصَّلَاةَ؟ وَهَلْ قِيَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ وَأَكْبَرِ أَبْوَابِ الْبِرِّ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ , مَنْ يَمْتَنِعُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الْغَلِيظَةَ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , بَلْ يَجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ: كَمَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ , وَأَحْمَدَ , وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُسْتَتَابَ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بَلْ تَارِكُ الصَّلَاةِ شَرٌّ مِنْ السَّارِقِ وَالزَّانِي , وَشَارِبِ الْخَمْرِ , وَآكِلِ الْحَشِيشَةِ. وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُطَاعٍ أَنْ يَامُرَ مَنْ يُطِيعُهُ بِالصَّلَاةِ , حَتَّى الصِّغَارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا , قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ , وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ} . وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ صَغِيرٌ مَمْلُوكٌ أَوْ يَتِيمٌ أَوْ وَلَدٌ فَلَمْ يَامُرْهُ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ الْكَبِيرُ إذَا لَمْ يَامُرْ الصَّغِيرَ , وَيُعَزَّرُ الْكَبِيرُ عَلَى ذَلِكَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا ; لِأَنَّهُ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَكَذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُ مَمَالِيكُ كِبَارٌ , أَوْ غِلْمَانُ الْخَيْلِ وَالْجِمَالِ وَالْبُزَاةِ , أَوْ فَرَّاشُونَ أَوْ بَابِيَّةٌ يَغْسِلُونَ الْأَبْدَانَ وَالثِّيَابَ , أَوْ خَدَمٌ , أَوْ زَوْجَةٌ , أَوْ سُرِّيَّةٌ , أَوْ إمَاءٌ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَامُرَ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ بِالصَّلَاةِ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ , وَلَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا أَنْ يَكُونَ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ , بَلْ مِنْ جُنْدِ التَّتَارِ. فَإِنَّ التَّتَارَ يَتَكَلَّمُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَمَعَ هَذَا فَقِتَالُهُمْ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنْ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ , أَوْ الْبَاطِنَةِ الْمَعْلُومَةِ , فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا , فَلَوْ قَالُوا: نَشْهَدُ وَلَا نُصَلِّي قُوتِلُوا حَتَّى يُصَلُّوا , وَلَوْ قَالُوا: نُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي قُوتِلُوا حَتَّى يُزَكُّوا , وَلَوْ قَالُوا: نُزَكِّي وَلَا نَصُومُ وَلَا نَحُجُّ , قُوتِلُوا حَتَّى يَصُومُوا رَمَضَانَ. وَيَحُجُّوا الْبَيْتَ. وَلَوْ قَالُوا: نَفْعَلُ هَذَا لَكِنْ لَا نَدَعُ الرِّبَا , وَلَا شُرْبَ الْخَمْرِ , وَلَا الْفَوَاحِشَ , وَلَا نُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَلَا نَضْرِبُ الْجِزْيَةَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَنَحْوِ ذَلِكَ , قُوتِلُوا حَتَّى يَفْعَلُوا ذَلِكَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . وَالرِّبَا آخِرُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ , وَكَانَ أَهْلُ الطَّائِفِ قَدْ أَسْلَمُوا وَصَلَّوْا وَجَاهَدُوا , فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ الرِّبَا , كَانُوا مِمَّنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ , قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ يَقُلْ: إلَّا بِحَقِّهَا , وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ. قَالَ عُمَرُ: فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ , فَعَلِمْت أَنَّهُ الْحَقُّ. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ , وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ , وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ , يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ , أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ , فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا