فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 258

والله - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار. ويخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم. ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق، والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء:

{أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم. فأعرض عنهم وعظهم، وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا} . .

أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم؛ ويحتجون بهذه الحجج، ويعتذرون بهذه المعاذير. والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور. . ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم، وأخذهم بالرفق، واطراد الموعظة والتعليم. .

والتعبير العجيب:

{وقل لهم. . في أنفسهم .. قولًا بليغًا} .

تعبير مصور. . كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس، ويستقر مباشرة في القلوب.

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 980)

روى المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ} . . . إلخ روايات متقاربة في معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.

فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.

والاستفهام في قوله {أَلَمْ تَرَ} للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.

وقوله {يَزْعُمُونَ} من الزعم ويستعمل غالبا في القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - في الكذب ومنه قوله - تعالى: {وَجَعَلُوا للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيبًا فَقَالُوا هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ} أى بكذبهم.

وقد يطلق الزعم على القول الحق.

قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى"الكتاب"من قوله: زعم الخليل كذا - في أشياء يرتضيها.

والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة في المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.

والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت