فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 258

يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ رَئِيسًا فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ , وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ حُقُوقِهَا , فَإِنِّي أُنَاشِدُكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ , فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ , وَسَلُّوا السُّيُوفَ , وَسَحَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ. قَالَ: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ , وَمَا أُصِيبَ مِنْ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إلَّا رَجُلَانِ: فَقَالَ عَلِيٌّ: الْتَمَسُوا فِيهِ الْمَخْدَعَ. فَالْتَمَسُوهُ , فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَامَ عَلَى سَيْفِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ: أَخِّرُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ , وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَقَامَ إلَيْهِ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَسَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إي وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ أَيْضًا. فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ , وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي تَكْفِيرِهِمْ , عَلَى تَكْفِيرِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ , وَأَحْمَدَ , وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا نِزَاعٌ فِي كُفْرِهِمْ , وَلِهَذَا كَانَ فِيهِمْ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ بُغَاةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كُفَّارٌ كَالْمُرْتَدِّينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً وَقَتْلُ أَمِيرِهِمْ , وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ اُسْتُتِيبَ كَالْمُرْتَدِّ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ , كَمَا أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ إذَا قَاتَلُوا الْإِمَامَ عَلَيْهَا , هَلْ يَكْفُرُونَ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ , وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قِتَالَ الصِّدِّيقِ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ , وَقِتَالَ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ لَيْسَ مِثْلَ الْقِتَالِ يَوْمَ الْجَمَلِ , وَصِفِّينَ , فَكَلَامُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فِي الْخَوَارِجِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُفَّارًا كَالْمُرْتَدِّينَ عَنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ , وَلَيْسُوا مَعَ ذَلِكَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ , بَلْ هُوَ نَوْعٌ ثَالِثٌ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيهِمْ , وَمِمَّنْ قَاتَلَهُمْ الصَّحَابَةُ مَعَ إقْرَارِهِمْ الشَّهَادَتَيْنِ , وَالصَّلَاةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مَانِعُوا الزَّكَاةِ , كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ , كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ , إلَّا بِحَقِّهَا.} فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ يَقُلْ لَك {إلَّا بِحَقِّهَا} فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا , وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَلِمْت أَنَّهُ الْحَقُّ. وَقَدْ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْخَمْسَ وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ سَائِغَةٌ , فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى مَنْعِهَا , وَإِنْ أَقَرُّوا بِالْوُجُوبِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وَقَدْ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ. وَكَذَلِكَ {أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقِتَالِ الَّذِينَ لَا يَنْتَهُونَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ} . وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ: فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ جَارُوا عَلَى الشَّامِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَامَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ , وَأَعْطَوْا النَّاسَ الْأَمَانَ وَقَرَءُوهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ , وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَلَبُوا مِنْ ذَرَارِيّ الْمُسْلِمِينَ , مَا يُقَالُ: إنَّهُ مِائَةُ أَلْفٍ , أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ , وَفَعَلُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ , وَبِجَبَلِ الصَّالِحِيَّةِ , وَنَابُلُسَ , وَحِمْصَ , وَدَارِيَّا , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُمْ سَبَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت