الثالث: قوله - تعالى - {فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.
وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.
وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن"
وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن.
وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.
فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.
وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود"قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.
وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة بحديث وترك لك ما خالفه.
ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر. أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. .
فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين في مخالفته.