فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 258

عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق. أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار. أو أن يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين!

ولكنه الطاغوت جاهل غبي مطموس ; وهو في الوقت ذاته متعجرف متكبر مغرور!

ثم إنه الفزع على العرش المهدد والسلطان المهزوز:

(إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها) . .

وفي نص آخر: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) !

والمسألة واضحة المعالم. . إنها دعوة موسى إلى (رب العالمين) . . هي التي تزعج وتخيف. . إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين. وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته. وإقامة أنفسهم أربابًا من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون , ويعبدون الناس لما يشرعون!. . إنهما منهجان لا يجتمعان. . . أو هما دينان لا يجتمعان. . أو هما ربان لا يجتمعان. . وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون. . ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين. فأولى أن يفزعوا الأن وقد ألقي السحرة ساجدين. قالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون! والسحرة من كهنة الديانة الوثنية التي تؤله فرعون , وتمكنه من رقاب الناس باسم الدين!

وهكذا أطلق فرعون ذلك التوعد الوحشي الفظيع:

(فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ثم لأصلبنكم أجمعين) . .

إنه التعذيب والتشوية والتنكيل. . وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق , الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان. . وعدة الباطل في وجه الحق الصريح. .

ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان ; تستعلى على قوة الأرض , وتستهين ببأس الطغاة ; وتنتصر فيها العقيدة على الحياة , وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم. إنها لا تقف لتسأل: ماذا ستأخذ وماذا ستدع ? ماذا ستقبض وماذا ستدفع ? ماذا ستخسر وماذا ستكسب ? وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات ?. . لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك , فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق. . (قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون. وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا. ربنا أفرغ علينا صبرًا , وتوفنا مسلمين) . .

إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع. كما أنه لا يخضع أو يخنع. الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها , ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره:

(قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون) . .

والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت. . وأنها معركة العقيدة في الصميم. . لا يداهن ولا يناور. . ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة , لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت