الجمعة, ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه. فنزلت {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ـ إلى قوله ـ لا يستوون عند الله} .
(طريق أخرى) قال الوليد بن مسلم حدثني معاوية بن سلام عن جده أبي سلام الأسود عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم, وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال ففعل فأنزل الله عز وجل {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ـ إلى قوله ـ والله لا يهدي القوم الظالمين} ورواه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه, وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه.
وفي الظلال:
فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية , وعقيدتهم ليست خالصة لله , ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد , لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته:
(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ?) . .
(لا يستوون عند الله) .
وميزان الله هو الميزان وتقديره هو التقدير.
(والله لا يهدي القوم الظالمين) .
المشركين الذين لا يدينون دين الحق , ولا يخلصون عقيدتهم من الشرك , ولو كانوا يعمرون البيت ويسقون الحجيج.
وينتهي هذا المعنى بتقرير فضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين , وما ينتظرهم من رحمة ورضوان , ومن نعيم مقيم وأجر عظيم:
(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله , وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم , خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم) . .
وأفعل التفضيل هنا في قوله: (أعظم درجة عند الله) ليس على وجهه , فهو لا يعني أن للآخرين درجة أقل , إنما هو التفضيل المطلق. فالآخرون (حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم.