الصفحة 132 من 773

وقفت حجرا عثرة في سبيل الخلق و الإبداع، و كانت سببا في التكرار الممل في الموضوعات و الأساليب و طرق الأداء؛ و لكنها من ناحية أخرى كانت العامل الأكبر في حفظ اللغة الفارسية و حمايتها من التبذل الذى أصاب أحيانا لغتنا الإنجليزية و غيرها من اللغات الأوروبية بفعل العباقره الشاردين الذين لم يتفيدوا بمراعاة القديم و لم يظفروا بقسط وافر من الدقة و المران.

التصنع صفة عارضة في الاساليب الفارسية:

و من الحق أن نقرر هنا أن الأساليب الفارسية كانت كالأساليب العربية تختلف وفقا للأزمنة و الأمكنة. و قد رأينا أن قواعد النقد التى اتبعها «دولتشاه» في نهاية القرن الخامس عشر الميلادى (أى التاسع الهجرى) تختلف كثيرا عما اتبعه صاحب «چهار مقاله» في منتصف القرن الثانى عشر (أى السادس الهجرى) بينما نجد أن «ابن خلدون» قد منعه شغفه بالقديم من أن يعجب بالإغراق في استعمال المحسنات البلاغية التى انتشرت في كتابات أهل المشرق و كذلك في كتابات بنى جلدته خلال القرون الثلاثة الأخيرة.

و مع ذلك كله فإننا لا نعدم أن نصادف البساطة و اليسر في كتابات القدماء و المحدثين من الفرس على السواء، فيما كتبوه من نظم أو نثر على السواء، فكتاب «الإيقان» و هو من كتب «البابية» الذى كتبه «بهاء اللّه» حوالى سنة 1859 م يمتاز بمتانة الأسلوب و قوته حتى ليشبه كتاب «چهار مقاله» الذى ألف من قبله بسبعة قرون؛ و كذلك المنظومات التى ينظمها الشعراء المعاصرون في «تعزية الحسين» أو الأغانى الشعبية التى تعرف باسم «التصانيف» كل هذه تبلغ في سلامتها و عدم تكلفها مبلغ ما قاله «الرودكى» من أشعار جميلة رائعة. بينما نجد أن هذا الأسلوب المتصنع المشحون بالمحسنات البلاغية الذى يعرفه كل من قرأ «أنوار سهيلى» يأخذ في السيطرة على «الآداب الفارسية» كلما كان رعاتها من أصل تركى أو مغولى، حتى يبلغ هذا الأسلوب ذروة مداه على أيدى الكتاب و الشعراء العثمانيين من أمثال «ويسى» و «نرگسى» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت