الصفحة 151 من 773

«عيسى بن يحيى» . فلما بلغ السابعة عشرة من عمره طبقت شهرته الآفاق في الطب حتى استدعوه لمداواة الأمير «نوح بن منصور السامانى» و قد نجح في معالجته نجاحا تاما، فقربه ذلك الأمير، و أغدق عليه من نعمه، و سمح له أن يتردد على مكتبته الزاخرة بالمؤلفات، و قد وصفها ابن سينا فقال إنها مكتبة غنية بالكتب الكثيرة؛ و كان بعض هذه الكتب مجهول الإسم لدى كثير من الناس، كما كان بعضها غير معروف له من قبل، و لم يصادفه في غيرها فيما بعد؛ و من أسف أن هذه المكتبة احترقت بعد ذلك بقليل من الوقت، فاتهمه جماعة من أعدائه بأنه أحرقها عامدا حتى يصبح وحده الواعى لما استفاده من كتبها النادرة و مخطوطاتها الفريدة.

و أدركت المنية بعد ذلك والده، و انهارت الدولة السامانية بالقرب من نهاية القرن العاشر الميلادى (الرابع الهجرى) فكان ذلك سببا في أن يترك ابن سينا مدينة «بخارى» و أن يقصد إلى «خوارزم» . و قد فاز هنالك بتقريب أميرها «مأمون» له، و لكن الظروف التى سردناها فيما سبق من صفحات- نقلا عن كتاب «چهار مقاله» - اضطرته كما روينا، إلى الهرب من «خوارزم» إلى «نسا» و «أبيورد» و «طوس» حتى وصل أخيرا إلى «جرجان» حيث أحسن استقباله «شمس المعالى قابوس بن وشمگير» فنزل عنده مكرما معززا، حتى إذا قتل هذا الأمير ترك ابن سينا «جرجان» و ذهب إلى «الرى» و «قزوين» و «همدان» حتى انتهى به المطاف إلى مدينة «أصفهان» حيث التحق بخدمة الأمير البويهى «علاء الدولة ابن كاكويه» . و لقد تعرض أثناء حياته لكثير من الشدائد و المحن و لاحقته الأمراض و العلل، و قضى فترة في المحبس و المعتقل، و كادوا يعدمونه في وقت من الأوقات، و لكنه ظل يكافح حتى اغتاله الموت في النهاية فقضى فريسة لعلة أصابت أمعاءه في صيف سنة 1037 م- 429 ه «1» .

(1) يرى ابن الأثير في نهاية حوادث سنة 428 ه أن علاء الدولة كان متهما في دينه، و من أجل ذلك فقد التحق ابن سينا بخدمته حتى يستطيع أن يكمل مؤلفاته المليئة بالإلحاد دون أن يصيبه شى ء من الأذى. فلما أصابت الهزيمة علاء الدولة على أيدى الغزنويين في سنة 425 ه-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت