فهرس الكتاب
أما أخلاق السلطان محمود فإن «1» شعراءه و مؤرخيه لا يتحدثون عنها بالطبيعة إلا بكل ثناء يبلغ حد الإغراق و المبالغة. و لكن «ابن الأثير» عندما ذكر خبر وفاته في سنة 421 ه- 1030 م أثنى عليه لمهارته و تدينه و تعففه و تقريبه للعلماء و الأفاضل و محاربته لأهل الكفر و الإلحاد، و لكنه عاد فقال إن نقيصة واحدة كانت تشينه هى حبه الجم للمال، و عدم تحريه الطرق القويمة في اكتسابه و الحصول عليه، و قد روى عنه الخبر الآتى:
«و لم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أخذ الأموال بكل طريق، فمن ذلك، أنه بلغه أن إنسانا من نيسابور كثير المال عظيم الغنى، فأحضره إلى غزنه و قال له: بلغنا أنك قرمطى ... فقال: لست بقرمطى ولى مال يؤخذ منه ما يراد و أعفى من هذا الاسم. فأخذ منه مالا و كتب معه كتابا بصحة اعتقاده» .
و مع ذلك فكثير من المسلمين لا يستطيعون أن يجعلوا السلطان محمودا موضعا لشبهاتهم و شكوكهم، لأنه كان بطلا من أبطال الدين، و سوط عذاب على الكفار و الملحدين، و محطما لعبادة الأصنام و التماثيل، و هادما للخرافات و الأباطيل؛ و لكن لا شك أن «ابن الأثير» استطاع أن يلمس بنظره النافذ نقطة الضعف في أخلاقه، و هى الطمع الشديد (و لا شك أن هذا كان سببا في دأبه على الغزوات و الحروب في بلاد الهند) و كان بالإضافة إلى ذلك شديد التدين قاسيا على الملاحدة و كفار الهنود، و قد قتل منهم عددا كبيرا لا يبلغه العد و الإحصاء، و كان سريع التغير و التبدل لا يثبت على حالة واحدة، و كان أكثر من ذلك كله غازيا لا يقهر، و لم يعرف طوال حياته أن يكون صديقا مخلصا أو عدوا كريما.
و قد ولد في العاشر من المحرم سنة 350 ه- 13 نوفمبر سنة 970 م، و مات في سنة 421 ه- 1030 م و له من العمر ستين سنة ميلادية، و كان أقرب المقربين إليه غلامه «أياز» و قد روى كتاب الفرس كثيرا من الحكايات عنه، و لا شك أن شخصيته
(1) فيما عدا من أغضبهم من أمثال «الفردوسى» .