و من أسف أنه كلما تقدمت السنون أخذ عدد الدول الإسلامية المستقلة في النقص و القلة، و أخذ ما بقى منها مستقلا، مثل إيران و تركيا و بلاد العرب و مراكش «1» يهدده التدخل الأوروبى بكل أنواعه. و ليس من شك عندى في أن المسلمين أنفسهم مسئولون عن ذلك بعض الشى ء و إن الشعور بالفتور و الإهمال اللذين ركبا في نفوسهم الأسيوية، يساعد الأوروبيين بما ركب في طباعهم من جشع في امتلاك الكون ونهم للغزو و الفتح، على أن يعجلوا بالقضاء على هذه الدول الحرة و الولايات المستقلة. و من أسف أيضا، أن العقول الغربية لا تفكر إلا في الواقع المادى و لن يأخذها شى ء من الرحمة أو الشفقة في سبيل القضاء على هذه الدول الإسلامية، بل إن أوداجها لننتفخ بهذه الفتوحات الجديدة التى أعدوها لأولادهم و لرؤوس أموالهم.
و مع ذلك كله، فإن عددا قليلا ممن خبر الشرق و أهله، و عرف كيف يحبه و يحبهم، و تحقق من مقدار ديننا لهم بأغلب الأفكار الروحية العظيمة التى جعلتنا نشعر بلذة الحياة و قيمتها، يدركون مع المستر «تشسترتون «2» » إنه كلما زالت من الوجود واحدة من هذه الدول الإسلامية المستقلة، فإن العالم يفقد بفقدها شيئا لا يمكن تعويضه. و مناقشة هذا الرأى لن تصل بنا إلى نهاية مجدية، و سيكون حالنا في هذه المناقشة كحال الذى يتمادى في الجدل ليفاضل بين حديقة غرس فيها نوع واحد من أنواع الخضر المفيدة، و بين أخرى غرست فيها شتى أنواع الزهور ذات الألوان المختلفة و الروائح المتباينة. و حسبنا في هذا الصدد أن نكتفى بما يعترف به كل محب للشرق، مدرك لروحه و عقليته، فنقول إنه آخذ في التقلص و الزوال النهائى حتى و لو سيطرت عليه خير أنواع الإدارة الأوروبية و أكثرها عطفا و حدبا عليه.
و من أجل ذلك فقد أصبحت «القسطنطينية» و «شيراز» و «فاس» تمتاز- رغم ما بها من عيوب- بشى ء من العناصر و الخصائص الفنية و العقلية و الروحية التى زالت و أخذت في الزوال من مدن إسلامية أخرى مثل «القاهرة» و «دلهى» و «الجزائر» و «تونس» .
(1) المترجم: منذ ذلك الوقت قضى على استقلال مراكش؛ و قد أصدر براون الطبعة الأولى من هذا الكتاب في سنة 1906 م.
(2) ذكر ذلك في كتابه) Man in Green( by:Chesterion .