فهرس الكتاب
و قد زار «ظهير الدين» مدينة أصفهان، و لكن قاضى قضاتها المسمى ب «صدر الدين عبد اللطيف الخجندى» لم يحسن استقباله فبقى بها فترة قصيرة، و كان من بين أعدائه «مجير الدين البيلقانى» شاعر الهجاء و التهكم في اصفهان، و هو نفس الشاعر الذى صادفناه من قبل بين خصوم «الخاقانى» ، و قد أشار إليه «ظهير الدين» في البيت التالى، و فيه يتهكم به و بملابسه الفاخرة التى كان ينالها من «قزل أرسلان»
گر بديباهاى فاخر آدمى گردد كسى ... پس در أطلس چيست گرك و در عبائى سوسمار «1»
و معناه:
إذا استطاع الإنسان أن يصير آدميا بالملابس الفاخرة ... فماذا يكون الذئب في فروه الوافر، و الضب في جلده الفاخر .. !!
و قد اعتزل «ظهير الدين» قبيل انتهاء حياته عيشة الملوك و القصور و قنع كما فعل الكثيرون غيره من شعراء المديح بعيشة الاعتكاف و التعبد في تبريز حتى أدركته الوفاة في نهاية سنة 1201 م «2» - 598 ه و قد دفن هنالك، كما رأينا من قبل، في مقبرة «سرخاب» بجانب الشاعرين المعروفين «خاقانى» و «شاهفور الأشهرى» .
و مع ذلك فإن قصائد «ظهير الدين» خالية من كل أثر للتدين، عاطلة من كل ما يشعرنا بأنه أحسن التعبد و التزهد، و هى- على العكس من ذلك- دنيوية في أغراضها و معانيها، بحيث إذا فرضنا جدلا أنه شعر بالندم في آخر حياته من التزامه حياة القصور فقرر بعد ذلك الاعتزال و الاعتكاف، وجب علينا لزاما أن نفترض أيضا أنه اعتزل فيما اعتزل قول الشعر و إنشاء القصيد.
و لقد حملت نفسى مشقة كبيرة في قراءة ديوانه المخطوط، و لكن النتيجة التى حصلت عليها من هذه القراءة كانت محزنة مزعجة، فلقد وجدت أن الإشارات التى تشير إلى حوادث تاريخية قليلة جدا، كما وجدت أن سائر أشعاره تجرى على نمط واحد، فهى دائما من نوع القصيد المصقول المهذب الذى امتاز به شعراء المديح من الفرس فجعل أشعارهم خالية من كل ما يستسيغه الذوق، و جعلها خالية من الأقوال العنيفة
(1) أنظر «تذكرة الشعراء» ص 114.
(2) سنة 598 ه كما ذكر ذلك «تاريخ گزيده» و «تذكرة الشعراء» لدولتشاه و يقول «تاريخ گزيده» أنه مات في شهر ربيع الأول من هذه السنة.