الصفحة 573 من 773

فهذه الغارة شبيهة بثورة جامحة من ثورات الطبيعة الشاردة، و لكنها لا تشبه في شى ء ما نعرفه من أحداث التاريخ الإنسانى، لأنها امتازت بالمفاجأة، و التخريب الشامل، و القسوة النابية، و الغلظة الجافية، و الشدة التى لا تقاوم، و التحطيم الذى لا رحمة فيه، و الدمار الذى لا مقصد من ورائه ... !!

و قد قامت بهذه الأفعال جميعها قبائل متوحشة لم يكن يعرفها أحد، حتى أشد الناس اتصالا بهم من جيرتهم ... !!

و يقول «دوسون d'Ohsson: لولا أن المصادر كلها تتفق على تصوير ما قاموا به من قتل و تخريب و تدمير لما استطاع أحد أن يصدق مقدار البلاء الذى أوقعته في سنين قليلة هذه الجموع البربرية بمساحات واسعة من العالم امتدت من اليابان إلى المانيا «1» ... !!».

و لقد نستطيع أن نعرف مدى الأثر الذى أثروا به في قلوب معاصريهم من الكتاب إذا أوردنا هذه النبذة التى كتبها عنهم الكاتب المدقق و المؤرخ المحقق «ابن الأثير» عندما أراد أن يتحدث عنهم تحت سنة 617 ه (- 1220 - 1221 م) فقد قال:

«ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام:» [في كلام ابن الأثير]

«لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة، استعظاما لها، كارها لذكرها» «فأنا أقدم إليها رجلا و أؤخر أخرى، فمن الذى يسهل عليه أن يكتب نعى» «الإسلام و المسلمين ... ؟! و من الذى يهون عليه ذكر ذلك ... ؟! فيا ليت» «أمى لم تلدنى، و يا ليتنى مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا. إلا أنى حثنى جماعة» «من الأصدقاء على تسطيرها و أنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدى»

(1) طلب المغول من اليابان الخضوع لسلطانهم في سنة 1270 م و هاجموهم ثلاث مرات كانت الأخيرة منها في سنة 1283 م و قد حطم أسطول المغول في سنة 1280 م كما حطمت الأرمادا الأسبانية تماما. أما غارات المغول في أوروبا فقد حدثت ما بين سنة 1236 و سنة 1241 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت