الصفحة 583 من 773

[طمع و خيانة ملك خوارزم «علاء الدين محمد» هو السبب لوقوع غارة المغول]

و الرأى السائد أنه لم يكن هنالك ما يحول دون وقوع غارة المغول، و لكنها من غير شك سهلت و تيسر حدوثها بواسطة ما عرف عن ملك خوارزم «علاء الدين محمد» من طمع و خيانة و تردد. فطمعه ظاهر كما يقول «ابن الأثير» في أنه استولى على البلاد و قتل ملوكها و أفناهم، ليبقى هو وحده على مملكة نخرة هاوية، فلما انهزم أمام المغول و فر أمام جيوشهم تاركا بلاده للقدر يفعل بها ما يشاء، لم تجد هذه البلاد أميرا إسلاميا واحدا يستطيع أن يلم شعثها و يوحد جهودها أمام الجيوش المغيرة من أهل الكفر و الزيغ. و أما خيانته فظاهرة لأنه أقدم على قتل رسل المغول و تجارهم فأعطى بذلك ل «جنگيز خان» الحجة الدامغة لتبرير الهجوم عليه و لإثبات أوجه الضعف و الخذلان التى تسود الحالة في إيران. و أما تردده فظاهر كذلك من أنه عند أول صدمة تلقاها من المغول أسرع إلى إظهار الفزع و الخوف بدل ما كان يبديه من غطرسة و تحد، و لم تكد تنقضى سنتان على قتله لرسل المغول حتى نجده في النهاية يموت شريدا طريدا في جزيرة من جزر بحر قزوين. و لولا الجهود الجبارة و الأعمال الخالدة الجليلة التى أثرت عن ولده «جلال الدين» للازم العار جبين هذه الدولة الكبيرة التى كانت تعرف بمملكة خوارزم.

و هناك سبب آخر يرجع إليه ضعف المقاومة الاسلامية في وجه المغول، و هو الخلاف الذى نشأ بين ملك خوارزم «محمد» و الخليفة العباسى «الناصر» . فقد كان هذا الخليفة يخشى ملك خوارزم و ازدياد قوته و طمعه في الاستيلاء على «بغداد» ، فسعى كما كان يفعل الخلفاء المتأخرون إلى أضعاف منافسه و الإيقاع به و تدبير المكائد له، و أخذ يشجع المغول على مهاجمته، و قد أشار إلى ذلك «ابن الأثير» إشارة عارضة كما صرح بذلك «المقريزى» في كتاباته؛ و من عجب أن أعقاب هذا الخليفة قد هلكوا على أيدى هؤلاء المغول الذين أبادوهم جميعا و حطموا دولتهم و استولوا على بلادهم «1» .

و يبدو أن الكارثة قد بدأت عندما علم ملك خوارزم عند استيلائه على مدينة غزنه. بأمر مراسلات متبادلة بين الخليفة و حكام «غزنه» من أعقاب «سبكتگين» «2»

(1) أنظر ما كتبه «دوسون» في جزء 1 ص 211.

(2) أى الغزنويين من أعقاب محمود الغزنوى بن سبكتگين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت