الصفحة 597 من 773

امتاز بجرأته و إقدامه، فقد كان يعلم من البداية أنه يحارب موقعة خاسرة لا رجاء فيها، و كان من أجل ذلك حقيقا، بأن يترفق به القدر فلا يقضى عليه بأن يموت شريدا طريدا على بد جلف من أجلاف الأكراد في سنة 1231 م- 629 ه. و لقد رأينا فيما سبق كيف تبدل حال أبيه «علاء الدين محمد خوارزمشاه» عندما تحقق من قسوة المغول فانقلب بين عشية و ضحاها من ذئب كاسر إلى حمل وديع فما زال يفر و يهرب حتى قضى نحبه في جزيرة من جزر بحر قزوين في سنة 1220 م- 617 ه؛ و رأينا كيف قبض المغول على جدته «تركان خاتون» و حملوها أسيرة ذليلة إلى «جنگيز خان» في عاصمته «قراقورم» في سنة 1223 م- 620 ه و كيف وقفوا بها فترة على حدود خوارزم لتنتحب على ملكها الضائع «1» ، و لتكفر عن صلفها و قسوتها عندما وجدت الأمور تفلت من يدها فأمرت بقتل البقية الباقية من أمراء السلاجقه و الغوريين، و كانوا رهائن لديها لا يملكون من أمر أنفسهم شيئا «2»

فى هذه الأحوال المضطربة نجد أن «جلال الدين» يستجمع قوته فيتزود بدعاء أبيه و يتمنطق بسيفه ثم يمضى أمام العاصفة على عجل فيحتمى بالحدود الهندية «3» و يقوم هنالك بأعجوبه من أعاجيب بطولته التى ذاع صيتها و انتشر خبرها. و تفسير الأمر أنه عندما بلغ مع جيشه الصغير نهر السند وجد نفسه فجأة و قد أحاطت به جموع كبيرة من المغول فائقة العدة و العتاد، فقاومها قدر ما يستطيع من مطلع الفجر إلى منتصف النهار، و أبدى من ضروب الشجاعة و الجلد ما لا مزيد عليه، و لكنه أدرك في النهاية أنه قد خسر الموقعة فهجم على أعدائه هجوم اليائس، ثم يمم وجهه شطر النهر و ألقى بدرعه عن جسده، ثم امتطى صهوة جواده، و عبر النهر على متنه، و تبعه قوم من أتباعه ففعلوا مثل ما فعل و لكن أكثرهم غرقوا أو أهلكتهم سهام المغول الذين كانوا يجدون في أثرهم «4» .

(1) أنظر كتاب دوسون ج 1 ص 322.

(2) نفس المرجع ج 1 ص 258.

(3) نفس المرجع ج 1 ص 255.

(4) نفس المرجع ج 1 ص 306 و الصفحات التالية، و قد روى صاحب تاريخ جهانگشاى أن أم جلال الدين و زوجه و بعض نساء حرمه كن معه في ذلك الوقت و أن المغول أسروهن،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت