جذابة قد أشربت بحمرة، يزداد جمالها و بهاؤها متى دخل في حالة الوجد بعد سماعه للأذكار و التضرعات، فإذا بلغ هذه الحال فإن العرق يتصبب من جسده حتى يسيل تحت أقدامه. و يقرر «كمال الدين» بعد ذلك أنه لم ير من يشبه «ابن الفارض» جمالا لا بين العرب و لا بين العجم، و إنه أشبه الناس به.
و أحسن طبعة أعرفها من ديوان «ابن الفارض» هى تلك التى نشرها الشيخ «رشيد بن شالب الدحداح اللبنانى» في مدينة پاريس سنة 1855 و قد صدرها بمقدمة للأب بارجيس Abbe Barges أستاذ العربية في جامعة السوربون. و قد اشتملت هذه الطبعة على أشعار «ابن الفارض» و كذلك على شرحين مطولين لهذه الأشعار: أولهما لغوى صرف و قد كتبه الشيخ «حسن البيرونى» ، و الآخر يعنى بتفسير المعانى الباطنة و قد كتبه الشيخ «عبد الغنى النابلسى» .
و فيما يلى قصيدة من قصائد «ابن الفارض» تبدو لى مثلا طيبا لأشعاره عامة و ما تمتاز به من جمال فائق ورقة باللغة «1» :
ما بين ضال المنحنى و ظلاله ... ضل المتيم و اهتدى بضلاله
و بذلك الشعب اليمانى منية ... للصب قد بعدت على آماله
يا صاحبى هذا العقيق فقف به ... متوالها إن كنت لست بواله
و انظره عنى إن طرفى عاقنى ... إرسال دمعى فيه عن إرساله
و اسأل غزال كناسه هل عنده ... علم بقلبى في هواه و حاله
و أظنه لم يدر ذل صبابتى ... إذ ظل ملتهبا بعز جماله
تفديه مهجتى التى تلفت و لا ... من عليه لأنها من ماله
أترى درى أنى أحن لهجره ... إذ كنت مشتاقا له كوصاله
و أبيت سهرانا أمثل طيفه ... للطرف كى ألقى خيال خياله
لا ذقت يوما راحة من عاذل ... إن كنت ملت لقيله و لقاله
(1) المترجم: أورد «براون» ترجمة هذه القصيدة بالإنجليزية و أما نحن فقد أوردناها بعينها.