الصفحة 100 من 374

ومما يجدر التنبيه عليه أن علماء الكوفة كانوا بعيدًا عن (( اللحن الذي اكتظت به بلاد الحجاز، والشام، ومصر في ذلك العهد، وقد توسع المبرد في (( اللحَنة ) )أنباء اللاحنين من أهل الأمصار )) ، سوى بلاد العراق.

وقد نقل مسعود بن شيبة جملة من ذلك في (( التعليم ) )، على أن مصر كانت تعاشر القبط، والشام يساكن الروم، وكان الحجاز يطرقه كل طارق من الأعاجم، ولا سيما بعد عهد كبار التابعين، مع عدم وجود أئمة بها للغة، يحفظونها من الدخيل، واللحون.

وأما الكوفة، والبصرة، ففيهما دونت العربية، فأهل الكوفة راعوا تدوين جميع اللهجات العربية، في عهد نزول الوحي، ليستعينوا بذلك على فهم أسرار الكتاب والسنة، ووجوه القراءة، وأهل البصرة انتهجوا مسلك التخير من اللهجات، ما يحق أن يتخذ لغة المستقبل، فأحد المسلكين لا يغني عن الآخر.

فعلم بذلك مركز الكوفة في الفقه والحديث واللغة، وأما القرآن، فالأئمة الثلاثة، من السبعة، كوفيون، وهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، وزد خلفًا العاشر، من بين العشرة )) (1) .

الثانية: المدينة المنورة

لا يخفى أن المدينة المنورة زادها الله تشريفًا، كانت مهبط الوحي، ومستقر جمهرة الصحابة - رضي الله عنهم - إلى أواخر عهد ثالث الخلفاء الراشدين، خلا الذين رحلوا إلى شواسع البلدان للجهاد ونشر الدين، وتفقيه المسلمين (2) .

الطبقة الأولى: الصحابة - رضي الله عنهم:

فهي موطن الدعوة الإسلامية وفيها نشأت دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واستمرت الخلافة فيها في عهد أبي بكر (ت13هـ) وعمر (ت23هـ) وعثمان (ت36هـ) - رضي الله عنهم -، وكانت مقرًّا لغالبية صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل:

(1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص311-312، وغيرها.

(2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت