الصفحة 182 من 374

المطلب الثالث

دور الأئمة المجتهدين

في المذاهب

بعد أن عاينا بكل جلاء ما كان عليه الفقه منذ عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى الأئمة المتبوعين، وكيف أنّ هؤلاء الأئمة التزموا طريق مَن سبقهم في استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها.

ولاحظنا ما هو معلومٌ من أنه وجد في الطور السابق أئمة مجتهدون غير مَن ذكر، وكانت لهم مذاهب مستقلّة: كسفيان الثوري والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وابن جرير وداود وسفيان بن عيينة والأوزاعي - رضي الله عنهم - (1) ومنهم مَن قلِّد مذهبه مدّة من الزمن كالأوزاعي كما سبق ذكره إلا أن مذاهب هؤلاء القوم لم تعد إلا تاريخًا، ينقل شذرات منها في كتب فقه المذاهب المتبوعة.

فإننا في هذا الطور سنكمل المسيرة التي مشى عليه الفقه، فنتعرف على الأمور التالية:

أسباب تقليد هؤلاء الأئمة المتبوعين دون سواهم.

أهمية الالتزام بالمذاهب الأربعة.

دعاوى وردها متعلقة بما قبلها.

حقيقة الاجتهاد في هذا العصر.

مميزات هذا الدور.

دعاوى وردها على ما سبق.

الأمر الأول

أسباب تقليد المذاهب الأربعة

اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون حفظ الأحكام الفقهية في هذه المذاهب التي بين أيدينا، قال - جل جلاله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (( 2) ، ومن هذه الحكمة ما ذكره الحافظ ابن رجب - رضي الله عنه - (3) : (( فإن قال أحمق متكلّف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين.

قيل له: كما جمع الصحابة - رضي الله عنهم - الناس على حرف واحد من حروف القرآن ومنعوا الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك.

(1) ينظر: الفوائد المكية ص49، وغيره.

(2) الحجر:9.

(3) في الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة ص30-31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت