الصفحة 183 من 374

فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين؛ لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كلّ أحمق متكلف طلبت الرياسةَ نفسه من زُمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض مَن سلف من المتقدّمين، فربما كان بتحريف يُحرِّفه عليهم، كما وقع ذلك كثيرًا من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلّة من بعض مَن سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقتضي المصلحة غير ما قدَّره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورة - رضي الله عنه - )) .

وقال الإمام السيوطي - رضي الله عنه: (( اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سرٌّ لطيف أدركه العالِمون، وعَمِي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة ) ) (1) .

ومَن أراد أن يستفيضَ في بيان الأسباب وراء اقتصار الأمة المحمديّة على تقليد

الأئمة الأربعة في الأحكام الفقهية، فسيجد في ذلك مادّة خصبةً تكفي لكلِّ متعطِّش لها، نورد شيئًا منها باختصار في نقاط:

الأول: إن أصولَهم التي اعتمدوا عليها أمكن وأدّق من أصول غيرهم:

إذ أنه لا بدّ لكلّ مَن يدَّعي الاجتهاد من أصول يعتمد عليها في استخراج الأحكام، إذ أنه بين هذه الكثرة من نصوص القرآن والأحاديث النبوية وآثار الصحابة وما اتفق عليه من الفقهاء يحتاج في استنباط أي حكم شرعي إلى قواعد يوفق فيها بين عمومات وخصوصات هذه النصوص، وبين ما ظاهره التعارض منها وهلم جرّا، فمَن كانت أصوله أقوى من غيره كانت فروعه منسجمة ومنتظمة فيما بينها وأدعى للقبول والبناء عليها، وتبيَّن صدق ذلك على الأئمة المتبوعين عند ذكر قصّة زفر - رضي الله عنه - مع البتي - رضي الله عنه - وعند ذكر مميِّزات الطور السابق.

(1) ينظر: أدب الاختلاف ص25 عن جزيل المواهب في اختلاف المذاهب للسيوطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت