الصفحة 184 من 374

قال إمام الحرمين: (( أجمع المحققون على أن العوامَ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا; لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم ) ) (1) .

وذكر البرزلي - رضي الله عنه - أن ابن العربي - رضي الله عنه - سأل الغزالي - رضي الله عنه - عمَّن قلَّد الشافعي - رضي الله عنه - مثلًا، وكان مذهبه مخالفًا لأحد الخلفاء الأربعة أو غيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - فهل له اتباع الصحابة؛ لأنهم أبعد عن الخطأ؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (2) .

فأجاب: (( أنه يجب عليه أن يظن بالشافعي - رضي الله عنه - أنه لم يخالف الصحابي - رضي الله عنه - إلا لدليل أقوى من مذهب الصحابي، وإن لم يظن هذا فقد نسب الشافعي - رضي الله عنه - للجهل بمقام الصحابي - رضي الله عنه - وهو محال، وهذا سبب ترجيح مذهب المتأخرين على المتقدمين مع العلم بفضلهم عليهم؛ لكون المتقدِّمين سمعوا الأحاديث آحادًا وتفرقوا في البلاد فاختلفت فتاويهم وأقضيتهم في البلاد، وربما بلغتهم الأحاديث فوقفوا عمَّا أفتوا به وحكموا، ولم يتفرَّغوا لجمع الأحاديث لاشتغالهم بالجهاد وتمهيد الدين، فلَمَّا أنهى فتاويهم الناس إلى تابعي التابعين وجدوا الإسلام مستقرًا ممهدًا فصرفوا هممهم إلى جمع الأحاديث، ونظروا بعد الإحاطة بجميع مدارك الأحكام ولم يخالفوا ما أفتى به الأول إلا لدليل أقوى منه، وهذا لم يسم في المذاهب بكريًا ولا عمريًا ) ) (3) .

الثاني: كثرة الفروع التي وردت عنهم:

(1) ينظر: مواهب الجليل 1: 30، وغيره.

(2) سبق تخريجه.

(3) ينظر: مواهب الجليل 1: 31، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت