المبحث الثالث
يبدو من الأنسب جعل الدور الثالث في المذاهب الفقهية بعد أن سبق التمهيد بتفصيل حال الفقه في عصر النبوة وعصر الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأننا كثيرًا ما نقرأ بأن سلفنا خلَّفَ لنا بنيانًا شامخًا في الفقه نباهي به الأمم، وننتفع به في حياتنا، وهذا البناء تمّ على مدى القرون السابقة، فكان التحضير والتجهيز له في عصر النبوة، وأسس بنيانه في عصر الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وتم بناء هيكله في عصر الأئمة المستقلين في الاجتهاد، وتكامل هذا الصرح الفقهي العظيم في هيئته وزخرفته في عصر الأئمة المجتهدين في المذاهب على حسب مقتضيات أحوالهم وأزمانهم.
وتجلية للأدوار التي مرَّ بها الفقه الإسلامي، نعرض هذا الطور في ثلاثة أدوار:
درو التأسيس: وفيه بيان لأساس كلِّ مذهب من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -؛ إذ أن الصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة؛ ليعلموا أهلها هذا الدين الحنيف، فتكوَّن لديهم التلاميذ الذي حملوا فقههم إلى مَن بعدهم حتى وصل إلى أئمة المذاهب، حيث ارتكزوا فيما ذهبوا إليه من مسائل على فقه هؤلاء الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -.
دور الأئمة المجتهدين المستقلين: وفيه بيان لأئمة المذاهب الفقهيّة المتبوعة، والأصول التي اعتمدها كلٌ منهم في اجتهاده، وغير ذلك.
دور الأئمة المجتهدين في المذاهب: وفيه بيان للدور الذي قاموا به من تكملة هذا البناء الفقهي، وسدّ حاجات زمانهم، والقيام بواجبهم في حفظ الدين، وغير ذلك.
المطلب الأول
دور التأسيس للمذاهب
الفقهية
أولًا: تمهيد في دعاوى وردها: