الخامس: حمل قوله: ثلاثًا على أن المراد بها لفظ: ألبتة كما تقدَّم في حديث ركانة سواء وهو من رواية ابن عباس أيضًا، وهو قويّ ويؤيّده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها ألبتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلّق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث؛ لاشتهار التمويه بينهما فرواها بلفظ الثلاث، وإنّما المراد لفظ البتة وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضي الثلاث في ظاهر الحكم.
وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء أعني قول جابر: أنها كانت تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا. فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر - رضي الله عنه - على ذلك ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر - رضي الله عنه - خالفه في واحدة منهما، وقد دلّ إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خَفِيَ عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر - رضي الله عنه -، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق (1) .
وهذه أكثر مسألة أثيرت حولها الشبهات، فإذا ثبت أن الحقّ خلاف ما يقولون فيها وأن ما قالوه مجرد أوهام لا حقيقة لها، ثبت أنه لا محلّ لهذه الشبهات مطلقًا. والله أعلم.
(1) ينظر: فتح الباري 9: 363-365.