المطلب الثاني
دور الأئمة المجتهدين
المستقلين
في هذا الدور تتمّة لما سبقه من الأدوار؛ إذ ظهر فيه الأئمة المتبوعون، والذي سيتضح منه ما يلي:
المكانة السامية الرفيعة التي كانوا عليها والتعريف بهم.
شدّة تقليدهم وتبعيتهم لمَن كان قبلهم وسيرهم على نهجهم.
الأصول العامة التي اعتمدوا عليها في استنباط الأحكام الشرعية.
ردّ كثير من الشبهات التي أثيرت حولهم.
وضوح أنهم كانوا كأسرة واحدة في خدمة شرع الله، يأخذ هذا من ذاك وذاك من هذا، وأما الحكايات المروية عن بعضهم في بعض فصنع يد المتهالكين على حطام الدنيا، المتزاحمين على القضاء، فاستباحوا أعراض الأبرياء من غير ورع حاجز وإلا فالأئمة وكبار أصحابهم براء من مثل تلك الأكاذيب، بل هم على إخاء كامل، والتواصل بينهم أمر حاصل؛ لأن ثلثي المسائل الفقهية مسائل وفاق بينهم.
والثلث الباقي يدور أمره بين أن يكون مقتضى التقوى في مسالة خاصة منه في مذهب خاص، ومقتضى الفتوى في تلك المسألة في المذاهب الأخرى، وبين أن يكون المقتضيان على خلاف ذلك في سائر المسائل، فتكون المذاهب متحدة في مسائل الوفاق ويدور الأمر بين الأحوط والأيسر في مسائل الخلاف، فلا يكون هذا في شيء من الخلاف الحقيقي، بل هذا جرى على مقتضى اختلاف طبيعة الدليل في نظر ونظر، وللأخذ بالأحوط رجال وبالأيسر رجال (1) .
(1) ينظر: مقالات الكوثري ص211، ومَن أراد الوقوف على حقيقة هذا الكلام فليراجع الميزان للشعراني.