الصفحة 125 من 374

ومن أراد الوقوف على الأدب العظيم الذي كان بين الأئمة وأتباعهم فليراجع الكتاب النفيس للشيخ محمد عوامة المسمى بـ (( أدب الاختلاف ) )، وأكتفي منه بنقل عن العلامة محمود شاكر في بيان جذور التيار المعاصر في انتقاص الأئمة، إذ يقول: (( وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمتي، وفي رواتها، وفي نُحاتها، وفي مفسّري القرآن، ورواة الحديث، وبقيت أتلدّد ـ أتلفّت متحيّرًا ـ يمينًا وشمالًا زمنًا متطاولًا، حتى جاءت ومضة البرق التي أضاءت لي الطريق، وحَمَلتْني على أن أتقصّى قضية طعن الشيخ محمد عبده وتلاميذه في كتب العلم التي تدرّس في الأزهر.

وأيقنت أن الذي هوّن على الدكتور طه أن يأتي بنظريته في الطعن في الشعر الجاهلي وفي علماء الأمة هو ما تأثره به من سماع ما تناقلته ألسنة المحيطين بالشيخ عبده باستهانة وبلا مبالاة، فوقرت هذه الاستهانة في أعماق قلبه، ونضحت نضحها في كل صفحة من صفحات كتابه في الشعر الجاهلي.

وسقطت نظرية الشعر الجاهلي، وحسم أمرها، ولكن الاستهانة ظلت سارية الأثر إلى هذا اليوم!.. ذهبت لأنها لم تقم على أساس صحيح من العلم والنظر، وبقي منها ما طفح به كتابه من الاستهزاء والسخرية والاستهانة بعقول القدماء من أسلافنا، والحطّ من أقدارهم، والغضّ مما خلَّفوه من كتب ومن علم، ومن حصيلة جهودهم وإخلاصهم في التثبت من المعرفة.

وهذا كله مُفضٍ إلى طرح هذا الذي ذكروه وتركوه لنا وراء ظهورنا، وإلى الإعراض عنه بلا تبيّن ولا نظر، وهذا هو الداء الوبيل )) (1) .

وسنتعرض في هذا الدور لأمرين:

الأمر الأول: التعريف بالأئمة المجتهدين المستقلين، وهم:

أولًا: الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -

الأول: اسمه ونسبه:

(1) ينظر: أدب الاختلاف ص162-163، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت