ثالثًا: قواعد للفقيه والمفتي
القاعدة الأولى:
لا يجوز الإفتاء لمن لم يتعلم الفقه لدى أساتذة مهرة، وإنّما طالع الكتب الفقهية بنفسه:
إن الكتبَ الفقهيّة لها أسلوبٌ يخصُّها فربّما يذكر الفقهاء كلامًا مطلقًا، ويقصدون بذلك شيئًا مقيّدًا اعتمادًا على ذكر تلك القيود في مواضع أخرى، أو على فهم السامع، فمجرَّد مطالعة كتب الفقه ربّما يؤدي خلاف المقصود، أو أن فيها بعض المؤاخذات.
قال ابن عابدين (1) : (( يطلقون عباراتهم كثيرًا في موضعٍ اعتمادًا على التقييد في محلِّه، وقصدهم بذلك أن لا يدّعي علمهم إلا مَن زاحمهم بالركب، وليعلم أنّه لا يحصل إلا بكثرة المراجعة وتتبّع عباراتهم، والأخذ عن الأشياخ ) ).
فمن قرأها لدى أساتذة مهرة، فإنه يتنبّه على مثل ذلك فلا يقع في خطأ؛ ولهذا لا يكفي معرفة اللغة العربية بل يجب التفقه لدى أستاذ ماهر (2) كملت أهليته واشتهرت صيانته ، وكان له في العلوم الشرعية تمام الإطلاع؛ ليوضح للطالب العبارة، ويجلي له الإشارة ويجلو مرآة قلبه بلطائف المعارف الواردة من فضل الله تعالى، لفظه دواء، ولحظه شفاء، ينهض المتواني حاله، ويدل الجاهل على الله تعالى مقاله، ولله در القائل:
مَن يأخذ العلم عن شيخ مشافهة
يكن من الزيغ والتحريف في حرم
ومَن يكن آخذًا للعلم عن صحف
فعلمه عند أهل العلم كالعدم
وقال آخر:
أمدّعيًا علمًا وليس بقارئ
كتابًا على شيخ به يسهل الحزن
أتزعم أن الذهن يوضح مشكلًا
بلا مخبر تالله قد كذب الذهن
وإن ابتغاء العلم دون معلم
كموقد مصباح وليس له دهن (3)
(1) في رد المحتار 1: 450.
(2) ينظر: أصول الإفتاء ص28، وغيره.
(3) ينظر: الفوائد المكية ص21، وغيره.