وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي - رضي الله عنه - (1) : (( تدريس الشافعي لكتب غير مذهبه لا يسوغ له إلا إن قرأ ذلك الذي يدرسه على عالم موثوق به من أئمة ذلك المذهب هذا إن أريد به تدريس المعتمد في ذلك المذهب، وأمّا إن أريد منه مجرّد فهم العبارة وتفهيمها فهذا لا محذور فيه ) ).
الابتعاد عن أهل العلم والفضل بالاكتفاء بالكتب كان له الدور الأكبر في الفوضى والاضطراب الفقهي والفكري الذي نعيشه في عصرنا، قال الإمام الكوثري (2) : (( طال تفكيري في هذا التجرؤ على مخالفة الجماعة مع تخبط ملموس في المسائل ممن يدعون الانتماء إلى الفقه، فعلمت أن علّة العلل، أن أمثال هؤلاء المتفقهين كانوا يحاولون تكوين أنفسهم بأنفسهم، يحضرون في أي درس شاءوا ويهجرون أي كتاب أرادوا ـ قبل النظام في الأزهر ـ وأنهم ينخرم عليهم المقرر في العلوم ـ بعد النظام ـ فيحصل بقدر هذا وذاك خرم في تفكيرهم وتعقلهم.
فلا عجب إذا حدثت في تفكير هؤلاء فوضى واضطراب واختلال عند أول صدمة تصدمهم من مطالعة كتب يصدرها الناشرون لدعاية خاصة غير مكشوفة بادئ بدئ، فيكون هؤلاء أول ضحية لتلك الدعايات الصادرة لتفريق كلمة المسلمين باسم العلم، حيث لا يوجد عندهم وازع يمنعم من التورط فيما ليس لهم به علم، ولا عدة تحميهم من مسايرة الجهل، بل يعدون أنفسهم علماء بمجرد أن حذقوا لغة أمهاتهم بدون أن يتم تكوينهم العلمي تحت حراسة نظام دقيق في التفقيه، مع أن الواجب على من يعد نفسه من صنف العلماء أن يربا بنفسه أن يظهر بمظهر الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، كما يقول علي - رضي الله عنه -، فعار على من يدعي العلم أن يكون بهذه الحالة المنكرة )) .
القاعدة الثانية:
لا يجوز الإفتاء لكلّ مَن تعلم الفقه لدى الأساتذة حتى تحصل له ملكة فقهية:
(1) في الفتاوى الفقهية الكبرى4: 325.
(2) في الإشفاق في أحكام الطلاق ص75-76.