الصفحة 185 من 374

سبق أن ذكرنا أن الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، وسيأتي عند الكلام عن تدوين الفقه أن مسائل أبي حنيفة - رضي الله عنه - التي دونها محمّد بن الحسن الشَّيباني - رضي الله عنه - سمعها منه أسد بن الفرات - رضي الله عنه - ـ من أصحاب الإمام مالك - رضي الله عنه - ـ فسأل ابن القاسم - رضي الله عنه - من أصحاب مالك - رضي الله عنه - عن قول مالك - رضي الله عنه - في هذه المسائل، وألَّف بذلك (( المدونة ) )المشهورة (1) .

أما الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فمرّ أنه أخذ عن الإمام محمد بن الحسن - رضي الله عنه - حمل بختي من الكتب عليها سماعه، فكان لها الأثر الكثير في الفروع العديدة التي رويت عنه، كما يظهر ذلك في كتابه (( الأم ) ).

أما الإمام أحمد - رضي الله عنه - فسبق أن أبا بكر الخلال - رضي الله عنه - رحل في جمع المسائل التي أفتى فيها فبلغت أربعين مجلدًا.

وهذا السبب قلَّما أن يتوفر في غيرهم، وإن وجد في مثل الأوزاعي - رضي الله عنه - الذي قلِّد دهرًا من الزمان إلا أنه لم توجد فيه الأسباب الأخرى حتى يستمرَّ تقليده، وهاهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على علوِّ مكانتهم ودرجتهم لم يقلَّدوا ولم تكن لهم مذاهب مستقلة؛ لقلَّة ما روي عنهم من المسائل بالنسبة للأئمة المتبوعين فصعب تقليدهم؛ للحاجة للأحكام الشرعية في كل المسائل التي تقع للمكلفين، قال ابن برهان - رضي الله عنه - في سبب منع تقليد الصحابة - رضي الله عنهم: (( لأن مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - لم تكثر فروعها حتى يمكن لمقلّد الاكتفاء بها طول عمره ) ) (2) .

(1) ينظر: منهج كتابة الفقه المالكي ص61-66، وغيره.

(2) ينظر: مواهب الجليل 1: 31، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت