وقال الخطيب البغدادي - رضي الله عنه - (1) : (( أما كراهية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل، فإنما كان ذلك إشفاقًا على أمته ورأفة بها، وتحنُّنًا عليها، وتخوفًا أن يحرِّم الله عند سؤال سائل أمرًا كان مباحًا قبل سؤاله، فيكون السؤال سببًا في حظر ما كان للأمة منفعة في إباحته، فتدخل بذلك المشقة عليهم والإضرار بهم.
وهذا المعنى قد ارتفع بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستقرَّت أحكام الشريعة، فلا حاظر ولا مبيح بعده )) .
أما نهي سيدنا عمر - رضي الله عنه - عما لم يكن، فالمراد منه ما كان من قبيل السؤال عن المعضلات والأغلوطات، أو المسائل الفضول التي لا حاجة بالسائل إليها، وإنما تكون من بطر الذهن وفراغ النفس ونحو ذلك، مما لا يترتب على السؤال عنه فائدة عَمَليَّة، ولم يرد به تكليف من الشارع أو خطاب، فالسؤال عن مثل هذا منهي عنه ولا ريب، ومثله السؤال إذا كان على سبيل التعَنُّت والمغالطة وتصفير الوجوه، وأمثلة ذلك كثيرة، فسؤال الفراغ والفضول ما سئل عنه الإمام الشعبي - رضي الله عنه - فقد أتاه رجلٌ فقال له: ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك عرسٌ ما شهدته (2) .
(1) في الفقيه والمتفقه 2: 9-12.
(2) ينظر: منهج السلف في السؤال عن العلم ص25-26، فهذه نصوص منتخبة من هذا الكتاب الماتع فمَن أراد الوقوف على تفصيل هذا البحث ومزيد من الأدلة عليه فليرجع إليه.