الصفحة 217 من 374

إن هذا الكلام ليس للعوام، وإنما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممن بلغوا مرتبة الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أطبقت كلمة العلماء، قال الإمام ابن الصلاح - رضي الله عنه: (( فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة من الحديث... وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه - رضي الله عنه -، أَنهُ قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام ، لم يودعها الشَّافعيّ - رضي الله عنه - كتابه ؟ قال: (( لا ) ). وعند هذا أقول: مَن وجدَ من الشَّافعيين حديثًا يخالف مذهبه نظر: فإن كملت آلات الاجتهاد فيه، إما مطلقًا، وإما في ذلك الباب، أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث. وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جوابًا شافيًا، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل ؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ، ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك )) (1) .

وقال الإمام النووي - رضي الله عنه - (2) : (( إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ - رضي الله عنه - ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب. وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعيّ - رضي الله عنه - لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَن يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشَّافعيّ - رضي الله عنه - ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك ) ).

(1) معنى قول الإمام المطلبي (( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) )ص106-107.

(2) في المجموع 1: 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت