جعل الفقهاء فيه قسمين: أهل حديث وأهل رأي.
يقول الإمام الكوثري (1) - رضي الله عنه - عن محمد رشيد رضا في كتابه هذا: (( ويتصوّر فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذًا من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد.
وأما ما وقع في كلام إبراهيم النخعي وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن، فبمعنى الرأي المخالف للسنة المتوارثة في المعتقد، يعنون به الخوارج، والقدرية، والمشبهة، ونحوهم من أهل البدع، لا بمعنى الاجتهاد في فروع الأحكام، وحمله على خلاف ذلك تحريف للكلم عن مواضعه، فكيف! والنخعي نفسه، وابن المسيِّب نفسه من أهل القول بالرأي في الفروع، رغم انصراف المتخيلين، خلاف ذلك )) .
فما تخيّله وتصوره محمد رشيد رضا من وجود مدرستين: مدرسة أهل الحديث ممثلة بالمدينة وعلى رأسها الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومدرسة أهل الرأي ممثلة بالكوفة وعلى رأسها الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، مشى عليه من جاء بعده (2) وتوسَّعوا في الكلام والتعليل له بما يطول الكلام فيه، فإن ثبت أن هذا التصور غير صحيح، ثبت سقوط كلّ ما أحيط به من الهالة، وتحقيق ذلك بالنقولات التالية:
ذكر ابن قتيبة في كتاب (( المعارف ) )الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، ويَعدُّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس - رضي الله عنهم -.
وذكر الحافظ محمد بن الحارث الخشني، أصحاب مالك - رضي الله عنه - في (( قضاة قرطبة ) )باسم أصحاب الرأي.
وهكذا فعل أيضًا الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في (( تاريخ علماء الأندلس ) ).
(1) في مقدمة نصب الراية ص289.
(2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 167 والمدخل العام لدراسة الشريعة الإسلامية ص114، والمدخل إلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي ص157، والمدخل للتشريع الإسلامي ص150.