فهرس الكتاب
فإذا نظرت إلى علماء سائر الأمصار يعدُّ من أحسنهم حالًا من يهاجر أباه، ومن يقبل جوائز الحكام، ويساير أهل الحكم، وقَلَّ بينهم مَن يخطر له على بال مقاومة الظلم، وبذل كل مرتخص وغال في هذا السبيل، فبذلك أصبحت أحوال الكوفة في أمر الدِّين والخُلُق والفقه وعلم الكتاب والسنة واللغة العربية ماثلة أمام الباحث المنصف، فيحكم بما تمليه النَّصَفة، في الموازنة بين علماء الأمصار.
وهذا مما يجعل للكوفة مركزًا لا يسامى على توالي القرون، ولولا ذلك لما كانت الكوفة معقل أهل الدين، يفرّ إليها المضطهدون، طول أيام الجور في عهد الأموية (1) .
وأبرز هؤلاء الأصحاب:
سعيد بن جبير بن هشام - رضي الله عنه - (ت95هـ) (2) ، جمع علم ابن عبّاس - رضي الله عنه - إلى علمه حتى أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان يقول، حينما رأى أهل الكوفة يأتونه ليستفتوه: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ يعني ابن جبير، يذكرهم ما خصه الله من العلم الواسع، بحيث يغني علمه أهل الكوفة، عن علم ابن عباس - رضي الله عنه -، عغن مؤذن بني وداعة - رضي الله عنه - قال: (( دخلت على ابن عباس وهو متكيء على مرفقة من حرير وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول له انظر كيف تحدث عني، فإنك قد حفظت عني حديثًا كثيرًا ) ).
وقال ابن المسيب - رضي الله عنه: (( سأل رجل ابن عمر - رضي الله عنه - عن فريضة قال: سل سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فإنّه يعلم منها ما أعلم ولكنه أحسب منّي ) ). وقال أحمد - رضي الله عنه: قتل الحجّاج سعيدًا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه.
(1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص 306-307 فيما سبق.
(2) ينظر: العبر 1: 112، والتقريب ص174، وطبقات الشيرازي ص82، والأعلام 3: 145، وغيرها.