الصفحة 21 من 90

واختلفوا فيما سوى أهل الكتاب من المشركين هل تقبل منهم الجزية أم لا؟ فقال قوم: نؤخذ الجزية من كل مشرك ، وبه قال مالك: قوم استثنوا من ذلك مشركي العرب ، (وهم الحنفية) ، قال الشافعي وأبو ثور وجماعة (وأحمد) لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص ، أما العموم فقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وقوله عليه الصلاة والسلام: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) )، وأما الخصوص فقوله لأمراء السرايا الذين كان يبعثهم إلى مشركي العرب ، ومعلوم أنهم كانوا غير أهل الكتاب ( فإذا لقيت عدوك فادعهم إلى ثلاث خصال ) فذكر الجزية فيها ، وقد تقدم الحديث ، فمن رأى أن العموم إذا تأخر عن الخصوص فهو ناسخ له ، قال: لا تقبل الجزية من مشرك ما عدا أهل الكتاب لأن الآي الآمر بقتالهم على العموم هي متأخرة عن ذلك الحديث ، وذلك أن الأمر بقتال المشركين عامة هو في سورة براءة ، ذلك عام الفتح ، وذلك الحديث إنما هو قبل الفتح بدليل دعائهم فيه للهجرة ، من رأى أن العموم يبنى على الخصوص تقدم أو تأخر أو جهل التقدم والتأخر بينهما فقال: تقبل الجزية من جميع المشركين ، وأما تخصيص أهل الكتاب من سائر المشركين فخرج من ذلك العموم باتفاق مخصوص قوله تعالى: { ومن الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد نهم صاغرون } (1) .

فابن رشد يتحدث بصراحة ووضوح وجلاء عن سبب المحاربة للكفار وعلته. وينقل على ذلك اتفاق المسلمين جميعًا أن سبب الحرب هو إما الدخول في الإسلام ، وإما اعطاء الجزية.

فاتفق المسلمون على أن المقصود بالمحاربة لأهل الكتاب ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب هو أحد أمرين: إما الدخول في الإسلام ، وإما إعطاء الجزية.

(1) الهداية في تخريج أحاديث البداية / 43-44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت