ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: (( لا تقتلوا أصحاب الصوامع ) )، ومنها أيضا ما روي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقتلوا شيخًا قانيًا ولا طفلا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا ) )أخرجه أبو داود.
والسبب الموجب بالجملة لاختلافهم في العلة الموجبة للقتل ، فمن زعم أن العلة الموجبة للقتل هي الكفر لم يستثن أحدًا من المشركين ، ومن زعم أن العلة في ذلك ! طاقة القتال للنهي عن قتل النساء مع أنهن كفار استثنى من لم يطق القتال ، ومن لم ينصب نفسه إليه كالفلاح والعسيف )) (1) .
فالحديث إذن عن جواز القتل ، وليس عن القتال أما القتال فكان السبب صريحًا في الفصل السابق أن سببه إعلان الإسلام أو الجزية ، والجزية فتح الباب على مصراعية للدعوة إلى الإسلام ، وتحكيم شريعة الله في الناس التي لا يباح للطواغيت أن يمنعوها ، بينما الحديث هنا عن القتل هل هو للكفر ، أم للإطاقة على القتال ورأى الجمهور أن القتل هو لإطاقة القتال وليس للكفر كما رأى الشافعي .
والبون كبيرا جدًا بين جعل القتل ممن يطيقه ، وبين جعل القتال للحرابة ، حتى نلغي من خلاله الجهاد القتالي لتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله ، وحصره في الدفاع عن دار الإسلام.
يعود الدكتور البوطي ليؤكد في مكان آخر من الكتاب هذا المعنى بقوله:
(1) الهداية في تخريج أحاديث البداية (لابن رشد) للإمام لاحمد بن الصديق الغماري (8-9) و (20-25) .