أي إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا ، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله وأنهم إذا ظهروا وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } (أي حتى يفتن لا مؤمن عن دينه) ويكون الدين لله أي حتى يُعبد الله لا يُعبد معه غيره.
فلما أذن الله تبارك له صلى الله عليه وسلم بالحرب ، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه ، وأوى إليهم المسلمين ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها. واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانًا دوارًا تأمنون فيها ، فخرجوا أرسالًا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة) (1) .
فها نحن أولاء نرى أن الجهاد القتالي شرع وأذن به لما لم يحصل ، ولإيجاد شيء معدون ، وهو دار الإسلام ، لكن لم تتم ممارسته إلا بعد قيام الدولة لعدم الحاجة إليه.
ونضيف دليلين جديدين على ذلك:
عندما طلب اختيار النقباء الاثنى عشر ، بعد البيعة على الحرب ، قال: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومه بما فيهم ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا تسعة من الخوارج وثلاثة من الأوس . . قال ابن اسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم و أنا كفيل على قومي ، يعني المسلمين ، قالوا: نعم) .
(1) السيرة النبوية لابن هشام / 110-111.