{ ولا تهنوا ولا تحزنوا أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنو ويمحق الكافرين } (1) .
ونعود بعد هذا العرض إلى الدكتور البوطي ليبني لنا المجتمع المثالي الخيالي الذي يُقّرُ فيه على جملٍ أطلقها وفهمها لم ترد في نص فقهي ، ولا في حديث نبوي ، ولا في آية قرآنية ، ويريد أن يلوي أعناق النصوص حتى تثبت الفكرة التي زينها له عقله . ولم يسقها لنا من علم من العلوم الإسلامية ، وهذه جملة من النصوص الملوية اعناقها تهدف في النهاية إلى الاستسلام للطغيان والرضوخ للظلم ، ورفض الثورة عليه:
ولا شك أن قادة المسلمين ورجال الدعاة فيهم يتحملون مسؤولية إعادتهم إلى حظيرة الإسلام وضبطهم بقواعده وآدابه ، ولكن هل السبيل إلى ذلك هو الجهاد القتالي سواء تمثل في مقاتلة هؤلاء الجانحين أو تمثل في مقاتلة السلطة الحاكمة ابتغاء أن يحل الاسلاميون محلها ، فيحملون الناس من مستوى السلطة على الانصياع للدين والتقيد بأحكامه) (2) . (علة العلل التي يأباها المؤلف ويحرّمها: أن يحل الإسلاميون محل السلطة الحاكمة) .
ومرجعه في صحة هذا الحكم هو المبدأ الذي أعلنه (إن الجهاد لم يشرع لمثل هذه الغاية قط ، لأنه إنما شرع حماية لموجود لا سعيًا إلى إيجاد معدوم كما قد أوضحنا) وكأنما هذا المبدأ الذي أعلنه نصًا محكمًا من آية أو حديث أو فقه وأنى له أن يظفر بذلك؟ ولسلامة هذا المبدأ ، فعلينا الاستسلام للطغاة ، وليطمئنوا فلن نحرك لهم ساكنا ولن نحمل في وجههم سيفا ، وقد حرم علينا استعمال القوة لكي يستقروا ولا يحل الدعاة تحلهم.
(1) آل عمران / 139-141.
(2) الكتاب / 198-199.