وما أعتقد أنه غاب عن ذهنه: ( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فقال الذين في أسفلها لو حفرنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا ، فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا ، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعًا ) ) (1) .
وما أعتقد أنه غاب عن ذهنه قول الله عز وجل { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دونه من أولياء ثم لا تنصرون } (2) .
لو كان هذا النوع من الجهاد مشروعا لهذه الغاية لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا في ذلك ، أي لكان أول من لجأ إلى الجهاد في سبيل الله فقاتل أئمة الشرك في مكة ليحملهم حملًا على الانضباط بالإسلام ، ولقاتل في سبيل إقامة الدولة الإسلامية في مكة ، ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك ، فدل ذلك على أن الجهاد إنما شرع حفظًا لمكاسب تحققت ، لا سعيا إلى إيجاد ما لم يتحقق منها) (3) .
ونسأل الدكتور البوطي هذا السؤال: أليس من الممكن أن يكون عدم القتال في مكة لأن وضع المسلمين في الضعف فيها لا يمكنهم من القتال ، وهذا بديهي حيث لم تعد أسباب القوى بعد ، يقول الله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوى } أو يتحقق الانتصار من خسائر كبيرة في الدماء ، والأرواح قد ادخرها الله تعالى لنصرة دينه فيما بعد ؟ وما نعتقد أنه يمكن أن ينفي ذلك نفيا قاطعًا ، فالاحتمالان قائمان ، إذا أرانا أن نطبق مبدأه القائل ، الدليل إذا طرقه الاحتمال ، يطل به الاستدلال ، فهذا المبدأ القاطع الجازم الذي وضعه لا يعتمد على نصوص أو وقائع قطعية الدلالة ، إنما يحتمل احتمالات شتى وتفسيرات متنوعة ، فكيف يستدل به؟ .
(1) متفق عليه.
(2) هود 113.
(3) الكتاب / 198.