الصفحة 272 من 574

عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر

الناس لا يعلمون )) [1] .

فإن هذه الآية الكريمة تقرر:

أولًا: إن الدين من شؤون الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها

جميعًا، ولا تبديل لخلق الله.

وثانيًا: إن هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه ليس هو إلا الدين

الحنيف، أي دين التوحيد الخاص، لأن دين التوحيد هو وحده الذي

يمكن أن يؤدي وظيفة الدين الكبرى، ويوجه البشرية على مقياس عملي

وتنظيم اجتماعي، تحفظ فيه المصالح الاجتماعية. وأما أديان الشرك أو

الأرباب المتفرقة على حد تعبير القرآن، فهي في الحقيقة نتيجة للمشكلة فلا

يمكن أن تكون علاجًا لها، لأنها كما قال يوسف لصاحبي السجن (( ما تعبدون

من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان ))

يعني بذلك أنها وليدة الدوافع الذاتية، التي أملت على الناس أديان الشرك

طبقًا لمصالحهم الشخصية المختلفة، لتصرّف بذلك ميلهم الطبيعي إلى الدين

الحنيف تصريفًا غير طبيعي، وتحول بينهم وبين الاستجابة الصحيحة لميلهم

الديني الأصيل.

وثالثًا: إن الدين الحنيف الذي فطرت الإنسانية عليه يتميز بكونه دينًا

قيمًا على الحياة (ذلك الدين القيم) ، قادرًا على التحكم فيها وصياغتها في

إطاره العام. وأما الدين الذي لا يتولى إمامة الحياة وتوجيهها، فهو لا يستطيع

أن يستجيب استجابة كاملة للحاجة الفطرية في الإنسان، إلى الدين، ولا

يمكنه أن يعالج المشكلة الأساسية في حياة الإنسان.

ونخلص من ذلك إلى عدة مفاهيم للإسلام عن الدين والحياة.

فالمشكلة الأساسية في حياة الإنسان نابعة من الفطرة.

لأنها مشكلة الدوافع الذاتية في اختلافاتها وتناقضاتها مع المصالح العامة.

والفطرة في نفس الوقت تمون الإنسانية بالعلاج.

وليس هذا العلاج إلا الدين الحنيف القيّم، لأنه وحده القادر على

التوفيق بين الدوافع الذاتية، وتوحيد مصالحها ومقاييسها العملية.

(1) الروم: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت