الصفحة 288 من 574

لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار

وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل

والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة

الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار )) [1] .

فهذه الفقرات الكريمة تقرر بوضوح: أن الله تعالى قد حشد للإنسان

في هذا الكون الفسيح كل مصالحه ومنافعه، ووفر له الموارد الكافية لإمداده

بحياته وحاجاته المادية.. ولكن الإنسان هو الذي ضيع على نفسه هذه الفرصة

التي منحها الله له، بظلمه وكفرانه ( إن الإنسان لظلوم كفار) . فظلم

الإنسان في حياته العملية وكفرانه بالنعمة الإلهية، هما السببان الأساسيان

للمشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان.

ويتجسد ظلم الإنسان على الصعيد الاقتصادي: في سوء التوزيع.

ويتجسد كفرانه للنعمة: في إهماله لاستثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها.

فحين يمحى الظلم من العلاقات الاجتماعية للتوزيع، وتجند طاقات

الإنسان للاستفادة من الطبيعة واستثمارها. تزول المشكلة الحقيقة على

الصعيد الاقتصادي.

وقد كفل الإسلام محو الظلم: بما قدمه من حلول لمسائل التوزيع

والتداول، وعالج الكفران: بما وضعه للإنتاج من مفاهيم وأحكام.

وهذا ما سنشرحه فيما يلي، بالمقدار الذي يتصل بالسبب الأول من المشكلة

الاجتماعية في نظر الإسلام وهو الظلم في مجالات التوزيع والتداول وأما موقف الإسلام من السبب الثاني وهو كفران النعمة، فسوف نتناوله

بالدرس بحث مقبل، أعددناه لعرض موقف الإسلام من الإنتاج

وأحكامه ومفاهيمه عنه.

جهاز التوزيع

فبالنسبة إلى مجالات التوزيع منيت الإنسانية على مر التاريخ بألوان من

الظلم، لقيام التوزيع تارة: على أساس فردي بحت، وأخرى على أساس

لا فردي خالص. فكان الأول تعديًا على حقوق الجماعة وكان الثاني بخسًا

لحقوق الفرد.

وقد وضع الإسلام جهاز التوزيع للمجتمع الإسلامي بالشكل الذي

تلتقي فيه حقوق الفرد بحقوق الجماعة. فلم يحل بين الفرد وحقه وإشباع

(1) إبراهيم: 33-35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت