الصفحة 361 من 574

والحديث عن التوزيع يجب أن يستوعب كلتا الثروتين: الثرة الأم،

والثروة البنت، مصادر الإنتاج، والسلع المنتجة.

ومن الواضح أن توزيع المصادر الأساسية للإنتاج يسبق عملية الإنتاج

نفسها، لأن الأفراد إنما يمارسون نشاطهم الإنتاجي، وفقًا للطريقة التي

يقسم بها المجتمع مصادر الإنتاج. فتوزيع مصادر الإنتاج قبل الإنتاج،

وأما توزيع الثروة المنتجة فهو مرتبط بعملية الإنتاج، ومتوقف عليها، لأنه

يعالج النتائج التي يسفر عنها الإنتاج.

والاقتصاديون الرأسماليون، حتى يدرسون في اقتصادهم السياسي

قضايا التوزيع ضمن الإطار الرأسمالي.. لا ينظرون إلى الثروة الكلية

للمجتمع، وما تضمه من مصادر إنتاج، وإنما يدرسون توزيع الثروة المنتجة

فحسب، أي الدخل الأهلي، لا مجموع الثروة الأهلية. ويقصدون بالدخل

الأهلي: مجموع السلع والخدمات المنتجة، أو بتعبير أصرح: القيمة النقدية

لمجموع المنتوج في بحر سنة مثلًا، فبحث التوزيع في الاقتصاد السياسي هو

بحث توزيع هذه القيمة النقدية على العناصر التي ساهمت في الإنتاج، فيحدد

لكل من رأس المال، والأرض، والمنظم، والعامل.. نصيبه على شكل

فائدة وريع، وربح وأجور.

ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن تسبق بحوث الإنتاج بحث التوزيع،

لأن التوزيع مادام يعني تقسيم القيمة النقدية للسلع المنتجة على مصادر الإنتاج

وعناصره.. فهو عملية تعقب الإنتاج، إذ ما لم تنتج سلعة لا معنى لتوزيعها

أو توزيع قيمتها. وعلى هذا الأساس نجد أن الاقتصاد السياسي يعتبر الإنتاج

هو الموضوع الأول من مواضيع البحث، فيدرس الإنتاج أولًا، ثم يتناول

قضايا التوزيع.

وأما الإسلام فهو يعالج قضايا التوزيع على نطاق أرحب وباستيعاب

أشمل، لأنه لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة، ولا يتهرب من الجانب

الأعمق للتوزيع، أي توزيع مصادر الإنتاج، كما صنعت الرأسمالية

المذهبية، إذ تركت مصادر الإنتاج يسيطر عليها الأقوى دائمًا، تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت