الصفحة 373 من 574

وهناك ظاهرة أخرى وهي: أن رسول الله (ص) كان يمارس بنفسه

السيطرة على أراضي خيبر، بالرغم من تقسيم جزء منها على الأفراد، إذ

باشر الاتفاق مع اليهود على مزارعة الأرض، ونص على أن له الخيار في

إخراجهم متى شاء.

فقد جاء في سنن أبي داود: (( أن النبي(ص) أراد أن يجلي اليهود

عن خيبر، فقالوا: يا محمد دعنا نعمل في هذه الأرض، ولنا الشطر ما بدا

لك ولكم الشطر )) .

وفي سنن أبي داود أيضًا عن عبد الله بن عمر: (( أن عمر قال أيها

الناس إن رسول الله (ص) كان عامل يهود خيبر على أنّا نخرجهم إذا

شئنا فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود خيبر، فأخرجهم )) .

وعن عبد الله بن عمر أيضًا أنه قال: (( لما افتتحت خيبر سألت يهود

رسول الله (ص) : أن يقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها،

فقال رسول الله: أقركم فيها على ذلك ما شئنا، فكانوا على ذلك، وكان

التمر يقسم على السهمان في نصف خيبر، ويأخذ رسول الله الخمس )) .

ونقل أبو عبيد في كتاب الأموال عن ابن عباس أنه قال: (( دفع

رسول الله (ص) خيبر_ أرضها ونخلها_ إلى أهلها، مقاسمة على النصف )) .

ونحن إذا جمعنا بين هاتين الظاهرتين من سيرة النبي (ص) : بين

احتفاظه بجزء كبير من خيبر لمصالح المسلمين وشؤون الدولة، وبين

ممارسته بوصفه ولي الأمر لشؤون الجزء الآخر أيضًا، الذي نفترض أنه قد

قسمه بين المقاتلين.. إذا جمعنا بين ذلك كله، نستطيع أن نضع للسيرة

النبوية تفسيرًا ينسجم مع النصوص التشريعية السابقة، التي تقرر مبدأ

الملكية العامة في الأرض المفتوحة، فإن من الممكن أن يكون رسول الله (ص)

قد طبق على أرض خيبر مبدأ الملكية العامة، الذي يقتضي تملك الأمة لرقبة

الأرض، ويحتم لزوم استخدامها في مصالح الأمة وحاجاتها العامة.

والحاجات العامة للأمة يومئذ كانت من نوعين: أحدهما تيسير نفقات

الحكومة، التي تنفقها خلال ممارستها لواجبها في المجتمع الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت