الصفحة 398 من 574

وقد ذكر المحقق الثاني في (جامع المقاصد) ، أن زوال اختصاص

المحيي بالأرض بعد خرابها، وجواز اخذ الغير لها، واختصاصه بها،

هو المشهور بين الأصحاب والرأي الفقهي السائد في كلماتهم [1] . وقال

الإمام مالك (ولو أن رجلًا أحيا أرضًا مواتًا ثم أهملها بعد حتى تهدمت

آبارها وهلكت أشجارها وطال زمانها حتى عفت بحال ما وصفت لك

وصارت إلى حالها الأول ثم أحياها آخر بعده كانت لمن أحياها بمنزلة الذي

أحياها أول مرة [2] .

وقال بعض فقهاء الاحناف بهذا أيضًا معللين ذلك بأن الأول ملك

استغلال الأرض لا رقبتها فإذا تركها كان الثاني أحق بها [3] .

وإذا كانت الأرض التي أهملها صاحبها، مندرجة في نطاق الملكية

الخاصة، كالأراضي التي أسلم عليها أهلها، طوعًا.. فإن ملكية صاحبها

لها، لا تحول دون سقوط حقه فيها، بإهمالها الامتناع عن القيام بحقها،

كما عرفنا. وتعود_ في رأي ابن البراج وابن حمزة وغيرهما_ ملكًا

للمسلمين وتدخل في نطاق الملكية العامة.

وهكذا نعرف، أن الاختصاص بالأرض_ حقًا أو ملكًا_ محدود

بإنجاز الفرد لوظيفته الاجتماعية في الأرض. فإذا أهملها وامتنع عن إعمارها

حتى خربت، انقطعت صلته بها، وتحررت الأرض من قيوده. وعادت

ملكًا طليقًا للدولة، إن كانت مواتًا بطبيعتها، وأصبحت ملكًا عامًا

للمسلمين، إن كان الفرد الذي أهملها وسقط حقه فيها قد ملكها بسبب

شرعي، كما في الأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعًا.

نظرة الإسلام العامة إلى الأرض

في ضوء الأحكام المتنوعة التي شرعها الإسلام للأرض، ووقفنا على

(2) ولا فرق في سقوط الاختصاص بسبب الحزاب والإهمال، بين أن يكون المهمل نفس المحيي

للأرض أو شخصًا آخر، انتقلت إليه الأرض من المحيي، لإطلاق الدليل بالنحو الذي تقدم. وقد مال إلى

ذلك المحققان الفقيهان صاحب الكفاية وصاحب المفاتيح.

(2) 26) المدونة الكبرى 15/195.

(3) 27) الهداية للمرغيناني 8/137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت