لأن هذا أوسع انتشارًا وأكثر مصداقية في تعزيز هذه الأمور, مع تنويع الخطاب الموجه لهم بما يناسب مختلف التوجهات و الأفكار, متأسين في ذلك بكتاب الله عز وجل الذي جمع بين الترهيب و الترغيب .. فيجدر الاهتمام مع الجانب العسكري الصارم بالجانب التوعوي ذي الخطاب اللين المشفق المعزز بالحكم الشرعي لهذه الأجهزة في الدنيا و الآخرة.
و بالنسبة للقوات الصليبية فينبغي أن يتعاهد المجاهدون قواعدهم بين الحين و الآخر بعمليات مركزة و لو قلّت, لأن المقصود ألا تشعر هذه القوات بالأمن و الأمان في ظل الانسحاب من المدن, حتى لا يوسوس لهم إبليس بالبقاء فترة أطول نظرًا لعدم اكتمال بناء القوات العميلة.
بالإضافة إلى العمليات النوعية التي تستهدف قادة الصليبيين أو تجمعاتهم الكبيرة, حتى يظل الخوف من الانتشار هاجسًا كبيرًا يقلق قادة الصليب, بحيث يحرضهم على الخروج النهائي في أقرب وقت ممكن.
قال الإمام أبو عبد الله القلعي الشافعي [1] - رحمه الله:
(وينبغي لمن ابتلي بعدو أن يكون معه كما قال بعض وزراء العجم:
ينبغي للملك أن يبني أمره مع عدوه على أربعة أوجه: على اللين والبذل, و الكيد و المكاشفة.
و مثل ذلك مثل الخراج أول علاجه التمكين؛ فإن لم ينفع فالإنضاج و التحليل, و إن لم ينفع فالضماد, فإن لم ينفع فالكي وهو آخر العلاج.
ومن الدليل على التدابير في أمر العدو باللين حيث يتوقع نجعه و يرتجى نفعه ... قول الله جل ذكره: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ...
أما إن كان العدو مما لا يرجى انصلاحه بالبذل واللين فيجب أن يسارع بالكيد المبين إلى حسم مادته واستئصال شأفته, فقد قيل: إن الكيد أبلغ من الأيد ... فكل أمر لا يداوى من قبل أن يعضل, و لا يدبر قبل أن يستفحل, عيي به مداويه وصعب تداركه وتلافيه.
قال بعضهم: تفقد عدوك قبل أن يمتد باعه ويطول ذراعه وتكبر شكيمته ويعضل دواؤه ا. هـ [2]
و قال الإمام الماوردي [3] - رحمه الله:
المكيدة مختصة بفل الأعداء فإن من ضعف كيده قوي عدوه وهذا أصل يعتمد عليه مدار السياسة ويحمل عليه تدبير الملك. ا. هـ [4]
(1) أبو عبد الله محمد بن علي القَلْعي نسبة إلى قلعة حلب بالشام و قيل: بل إلى قلعة بلدة بالمغرب , له مصنفات عديدة كاحتراز المهذب و قواعد المهذب و أحكام القضاة , توفي باليمن سنة 630 , انظر السلوك في طبقات العلماء و الملوك 1/ 462.
(2) تهذيب الرياسة و ترتيب السياسة 1/ 229 - 234.
(3) هو القاضي علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الشافعي له مصنفات في التفسير و الأصول و الفقه و غيرها من فنون العلم , توفي عام 455. انظر طبقات الشافعية 1/ 230.
(4) تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك 1/ 222.