توطئة
ظاهرة الصحوات المرتدة
كثيرًا ما يستدل الصليبيون و أذنابهم من العملاء و من السماعين لهم من المسلمين, حول ظلم الدولة للناس أثناء سيطرتها على تلك المناطق, و أن هذه العشائر لم تكن لتحمل السلاح و تطرد كتائب الدولة من مناطقهم إلا لبغيهم و استهانتهم بالدماء و تكفيرهم للمسلمين و غير ذلك مما هو مشهور.
و الحقيقة أن هذا ليس لازمًا إطلاقًا ً, فقد رأينا ارتداد أكثر قبائل العرب في الجزيرة أثناء خلافة أبي بكر الصديق, فهل كان - رضي الله عنه - ظالمًا في حكمه, مستبيحًا لدمائهم آخذًا لأموالهم قبل ردتهم؟ حاشاه ذلك - رضي الله عنه -.
فهذا مثال تاريخي يثبت خطأ هذا الاستدلال على كون أن الخطأ هو من قبل الدولة المسلمة في المدينة النبوية, بل كان محض خطأ بل كفر و ردة من قبل تلك القبائل و التي فاقت عدد جيوشها عند جمعها - بحسب المؤرخين - الأعداد الرسمية للصحوات في العراق. [1]
هذا من حيث الدليل العقلي, أما من حيث الأدلة النظرية فإن هذه الظاهرة تفسر بسهولة من قبل علماء الاجتماع, لتؤكد لنا أن الظاهرة العشائرية كالصحوات في وجه دولة العراق الإسلامية, و قبائل العرب في الجزيرة في مواجهة الدولة الإسلامية في المدينة النبوية, ليست دالة على ضعف الشعبية أو كثرة الأخطاء أو الشعور بالظلم و نحو هذا مما يذاع حول دولة الإسلام حاليًا.
و الحقيقة أن العشائر تحكمها عادات و تقاليد تؤثر بشكل كبير على أفراد القبيلة,
و من تلك العادات:
أ- لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... * ... في النائبات على ما قال برهانا:
أي: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا بالمعنى الجاهلي لا بالمعنى الذي قرره الإسلام, و هذا راجع إلى أن القبيلة توجد نوعًا من العصبية للأفراد المنتمين إلى ذلك الرباط القبلي, و فائدة العصبية هي النصرة المطلقة و التلاحم ضد غيرهم, قال العلامة ابن خلدون - رحمه الله:
صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل, و من صلتها النعرة على ذوي القربى و أهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة, فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه, و يود لو يحول بينه و بين ما يصله من المعاطب و المهالك ... إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له و نفعه إنما هو في هذه الوصلة و الالتحام, فإذا كان ظاهرًا واضحًا حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه. ا. هـ [2]
(1) قال الإمام الطبري - رحمه الله: لما فصل أسامة كفرت الأرض و تضرمت وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشا وثقيفا ا. هـ انظر تاريخ الطبري: 2/ 254 - 275 - 292 و غيرها.
(2) مقدمة ابن خلدون ص138.