و المقصود بالضيم, ليس كون المرء مظلومًا, بل حتى و لو كان ظالمًا و أراد المظلوم الانتصار لنفسه فإن هذا في عرف القبيلة يعتبر ضيمًا يجب دفعه, و لذلك قال ابن خلدون: أو تصيبهم هلكة, فأي أذى لفرد من العشيرة بغض النظر عن سببه, فإنه سبب لنصرته و الوقوف معه كما جاء في البيت الشعري السابق.
و قال الأزهري: العصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته و التألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين. ا. هـ [1] , فما سبق صريح في أن الالتحام الشعائري ضد شيء ما, لا يدل على أمر واحد كما يحاول الصليبيون و مراكز دراساتهم تصوير ذلك في حالة دولة العراق الإسلامية, فالنصرة العشائرية معروفة و مشهورة و لا تدل بالضرورة على خلل في سياسة الدولة الإسلامية, و مثال القبائل العربية مع أبي بكر الصديق دليل واضح على هذا, و في تاريخ المغرب الإسلامي و الأندلس نماذج من مثل هذا أيضًا.
و بالتالي لا يمكن تحميل دولة العراق الإسلامية أو ما يسمى بالتصرفات الخاطئة للمجاهدين مسؤولية ظهور الصحوات, فهذه تهمة صليبية فرضها عبر الإعلام, و لهذا نرى فصائل المقاومة الوطنية تؤكد على هذا في كتاباتها و تصريحاتها, لأمرين:
الأول: محاولة التبرؤ من كون هذه الفصائل نفسها مرتع خصب و عش مثالي لتفريخ الصحوات, و قد رأينا أن كبار قادة الصحوة المرتدة من هذه الفصائل الوطنية, كأبي العبد الذي اعترف أنه عميل, حتى قبل سنوات من تبرؤ فصيله منه مع أنه كان قائدًا لهم في منطقة العامرية كما صرح هو بنفسه, و كأبي أطياف و شذر و غيرهم كثير من القادة الكبار في تلك الجماعات.
الثاني: نبز دولة العراق الإسلامية بشكل أولي و بقية الجماعات الجهادية الصادقة و التي تصنف من القسم الإرهابي, بأن تصرفاتهم الإرهابية و المتشددة كانت هي وراء الصحوة و بالتالي وراء تأخير مشروع الجهاد أو المقاومة كما يسمونه, مطبقين المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت. [2]
ب- كون أغلب أفراد الصحوة هم من الشباب الصغار, و الذين هم في العادة يحبون الظهور بمظهر الرجولة و عمل المغامرات و القصص البطولية و غيرها من المظاهر المعروفة في شباب العشائر بشكل خاص.
و هؤلاء الشباب مع فراغهم و قلة ديانتهم, فإن انتماء أقرانهم للصحوة هو سبب مقنع و داعٍ قوي لمشابهتهم كما قال الأول: إن القرين بالمقارن يقتدي [3] , بالإضافة إلى المال الذي يعتبر مغريًا لمن هم في مثل أسنانهم, بالإضافة للأمن من العقوبة, و التأييد الذي يلاقيه من بعض شيوخ عشيرته الخونة من رؤوس الصحوة, و مقتل بعض الخونة المرتدين من المنتمين لقبائلهم من قبل المجاهدين .. هذا كله كاف في تكوين أعداد ضخمة من الصحوات من شباب العشائر, و هذا مدفوع بما يُغيّب تأنيب الضمير من
(1) تهذيب اللغة 2/ 30.
(2) مجمع الأمثال 1/ 286
(3) من شعر عدي بن زيد , جمهرة الأمثال 2/ 251